270

Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

من صلاته، ثم بان له أنَّه صلى إلى الغرب؛ استأنف الصلاة، وإن لم يبن له ذلك إلا باجتهاده؛ فلا إعادة عليه).
قلت: والأحاديث المذكورة حجة عليهم.
وزعم الواحدي (أنَّ ابن عمر ذهب إلى أنَّ الآية نازلة في التطوع بالنافلة).
قلت: وصريح الحديث السابق يرده، وقال ابن عباس: لما توفي النجاشي؛ جاء جبريل إلى النبيِّ الأعظم ﵉، فقال: إنَّ النجاشي توفي؛ فصلِّ عليه، فقال الصحابة في أنفسهم: كيف نصلي على رجل مات ولم يصلِّ لقبلتنا؟ وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس إلى أن مات، فنزلت الآية، وقال قتادة: (هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وهي رواية ابن عباس)، كذا قاله في «عمدة القاري».
قلت: والأحاديث التي سبقت صريحة في أنَّ الآية نزلت في أمر القبلة، ويدل عليه أنَّ أهل قباء لما بلغهم نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ استداروا في الصلاة إليها؛ فليحفظ.
(وقد سلم النبيُّ) الأعظم ﷺ في ركعتي الظهر) وللأصيلي: (في ركعتين من الظهر) (وأقبل على الناس بوجهه)؛ أي: من غير تحويل صدره عن القبلة، بل التفت بعنقه، فإقباله عليهم بالوجه فقط، (ثم أتم ما بقي)؛ أي: من صلاته؛ أي: الركعتين الأخيرتين.
ومطابقة هذا التعليق للترجمة من حيث عدم وجوب الإعادة على من صلى ساهيًا إلى غير القبلة، وهو ظاهر؛ لأنَّه ﵇ في حال إقباله على الناس داخل في حكم الصلاة، وأنَّه في ذلك الزمان ساهٍ مصلٍّ إلى غير القبلة، وهذا التعليق قطعة من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، كذا قاله إمام الشَّارحين.
وزعم ابن بطال وابن التين إلى أنَّ هذا التعليق طرف من حديث ابن مسعود الذي سلف.
ورده الشَّارح فقال: (وهذا وهم منهما؛ لأنَّ حديث ابن مسعود ليس في شيء من طرقه أنَّه سلم من ركعتين)؛ فافهم.
قلت: فلله در هذا الشَّارح! وحقيق بأن يسمى إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.
[حديث عمر: وافقت ربي في ثلاث]
٤٠٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَمْرو)؛ بفتح العين المهملة وسكون الميم (بن عون)؛ بالنون، هو أبو عثمان الواسطي البزاز -بالزاي المكررة- نزيل البصرة، المتوفى سنة خمس وعشرين ومئتين (قال: حدثنا هُشَيْم)؛ بضم الهاء، وفتح المعجمة، وسكون التحتية، هو ابن بَشير -بفتح الموحدة- الواسطي، (عن حُميد)؛ بضم الحاء المهملة، هو الطويل البصري، (عن أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك)؛ هو الأنصاري، خادم النبيِّ الأعظم ﷺ (قال: قال عمر) هو ابن الخطاب، القرشي، العدوي، ثاني خلفاء سيد المرسلين ﵁: (وافقت ربي) من الموافقة، من باب المفاعلة الذي يدل على مشاركة اثنين في فعل ينسب إلى أحدهما متعلقًا بالآخر (^١)، والمعنى في الأصل: وافقني ربي، فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، ولكنَّه راعى الأدب، فأسند الموافقة إلى نفسه لا إلى الرب، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه ابن حجر وغيره.
واعترضه صاحب «اللامع» فقال: (لا يحتاج إلى ذلك، فإن من وافقك؛ فقد وافقته) انتهى.
قلت: بل يحتاج إلى ذلك؛ لأنَّ الله تعالى أفعاله وأحكامه تأتي على وفق إرادته، فقد يريد العبد شيئًا ولا يريد الرب ذلك الشيء؛ يعني: أنه تعالى أراد هذه الأحكام، وإرادته مرضية محبوبة لإرادتي؛ حيث تقع على وفق الحكمة، وإنما يحتاج إليه أيضًا حتى لا ينسب إلى سوء الأدب مع الرب ﷿، وإن كان باب المفاعلة يدل على المشاركة؛ فإنَّها قاعدة اصطلاحية نحوية كما أنَّ الخبر يحتمل الصدق والكذب ولو كان في كلامه تعالى، وذلك من حيث الاصطلاح، وإلا؛ فكلامه تعالى منزَّه عن الكذب، بل هو صدق؛ فافهم.
(في ثلاث)؛ أي: ثلاثة أمور، وإنَّما لم يؤنث الثلاث مع أنَّ الأمر مذكر؛ لأنَّ المميز إذا لم يكن مذكورًا؛ جاز في لفظ العدد التذكير والتأنيث.
فإن قلت: حصلت الموافقة له في أشياء غير هذه الثلاثة؛ منها: في أسارى بدر؛ حيث كان رأيه ألا يفدون، فنزل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ (^٢) لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧]، ومنها: في منع الصلاة على المنافقين، فنزل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]، ومنها: في تحريم الخمر، ومنها: ما رواه أبو داود الطيالسي، من حديث حماد بن سلمة، عن أنس قال عمر: وافقت ربي في أربع، وذكر ما في البخاري قال: ونزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]، فقلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت كذلك، ومنها: في شأن عائشة لما قال أهل الإفك ما قالوا، فقال: يا رسول الله؛ من زوجكها؟ فقال: «الله تعالى»، قال: أفننظر أن ربك دلس عليك فيها؟ سبحانك! هذا بهتان عظيم، فأنزل الله ذلك، وذكر ابن العربي: (أن الموافقة في أحد عشر موضعًا).
قلت: يشهد لذلك ما رواه الترمذي مصححًا، من حديث ابن عمر قال: ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر، وهذا يدل على كثرة موافقته، فإذا كان كذلك؛ فكيف نص على الثلاث في العدد؟
قلت: التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد عنه، ويحتمل أنَّه ذكر ذلك قبل أن يوافق في أربع وما زاد، وهذا الاحتمال فيه نظر؛ لأنَّ عمر أخبر بهذا بعد موت النبيِّ الأعظم ﷺ، فلا يتجه ما ذكر، ويحتمل أنَّ الراوي اعتنى بذكر الثلاث دون ما سواها؛ لغرض له، كذا قاله إمام الشَّارحين.
قلت: ويحتمل أنَّ الراوي حضر هذه الموافقة في هذه الثلاث، فعبر عما سمعه وقتئذٍ، ثمَّ وقت آخر حضر موافقة أخرى، فعبر عنها، والله تعالى أعلم.
ولموافقات عمر

(^١) في الأصل: (بالآخرة)، وليس بصحيح.
(^٢) في الأصل: (تكون)، والمثبت موافق للتلاوة.
تأليف خاص وصل فيه إلى أكثر من مئة، والله تعالى أعلم.
(قلت:) وللأربعة: (فقلت) (يا رسول الله؛ لو اتخذنا من مقام إبراهيم) هو خليل الرحمن ﵇؛ (مصلى)؛ أي: قبلة، قاله الحسن، وذلك بأن جعل المصلى بينه وبين القبلة.
قال إمام الشَّارحين: وجواب (لو) محذوف، ويجوز أن تكون (لو)؛ للتمني، فلا تحتاج إلى جواب، واختلفوا فيه، فقال ابني الصائغ وهشام: هي قسم برأسها لا تحتاج إلى جواب؛ كجواب الشرط، ولكن قد يؤتى لها بجواب منصوب؛ كجواب (ليت)، وقال ابن مالك: هي (لو) المصدرية أغنت عن فعل التمني، انتهى.
وزعم ابن حجر: أنها (لو) الشرطية أشربت معنى: التمني.
قلت: هذا قول ملفق من قولين جعله واحدًا، ونسبه لنفسه، وهو غير ظاهر؛ فافهم.
(فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾)؛ فيه قراءتان، أحدهما: وهي المشهورة بلفظ الأمر؛ يعني: وقلنا لهم: اتخذوا، والثانية: بلفظ الماضي؛ عطفًا على: ﴿جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخَذُوا﴾، (﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾) [البقرة: ١٢٥]: تصلون فيه ركعتي الطواف وغيرهما من الصلوات، كما روي عن مقاتل وقتادة والسدي: أنَّ قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا...﴾؛ الآية: أمر بالصلاة عند المقام.
وأراد عمر بقوله: لو اتخذنا؛ يعني: أفلا نؤثره؛ لفضله بالصلاة فيه؛ تبركًا وتيمُّنًا بموطئ قدم إبراهيم ﵇؟ فالخطاب بالاتخاذ إنَّما هو لأمة نبينا النبيِّ الأعظم ﷺ لا لأمة إبراهيم ﵇.
والأمر بتعيين المقام للصلاة للاستحباب؛ لانعقاد الإجماع على أنَّ أماكن المسجد الحرام لا تفاوت بينها في حق ركعتي الطواف ولا في غيرهما من الصلوات، فعلم بذلك أن أهل الإجماع حملوا الأمر بتعيُّن المقام للصلاة على الاستحباب، وهو لا ينافي كون ركعتي الطواف واجبة، كما هو مذهب الإمام الأعظم ﵁؛ فافهم.
والمَقام؛ بفتح الميم، ويجوز أن يكون مصدرًا ميميًّا من قام يقوم، وأن يكون اسمًا لموضع القيام، وهو الموضع الذي يضع عليه الإنسان قدميه حيث يقوم.
والمُقام؛ بضم الميم، موضع الإقامة، ونفس الإقامة أيضًا، والتعريف المستفاد من إضافة المقام إلى إبراهيم للعهد، والمعهود موضعه الذي وضع قدميه حين دعا الناس إلى الحج، أو حين رفع بناء البيت، وذلك الموضع هو الحجر الذي فيه أثر قدميه؛ لأنَّه ﵇ قام عليه حقيقة في ذينك الوقتين، ويطلق لفظ: المقام أيضًا على الموضع الذي كان الحجر فيه حين قام عليه ودعا أو رفع البناء؛ لأنَّ ذلك الموضع وإن كان موضعًا للحجر حقيقة وبالذات؛ فهو موضع لإبراهيم؛ توسعًا وبالواسطة، والمقام المذكور في قول النبيِّ الأعظم ﷺ: «الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما»، وفي قول أنس بن مالك: رأيت المقام فيه أصابعه وأخمص قدميه والعقب غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم، فالمراد به: نفس الحجر الذي قام عليه؛ فافهم.
وروى البغوي: (أن إبراهيم ﵇ استأذن سارة أن يزور إسماعيل ﵇، فأذنت له، وشرطت عليه ألا ينزل، فقدم مكة حتى جاء إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: ذهب يتصيد، ويجيء الآن إن شاء الله، فانزل؛ يرحمك الله، قال: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، فجاءت باللبن واللحم، وسألها عن عيشتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، فدعا لهما بالبركة، ولو جاءت يومئذٍ بخبز أو برٍّ أو شعير أو تمر؛ لكان أكثر أراضي الله برًّا وشعيرًا وتمرًا، فقالت له: انزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بالمقام، فوضعته عن شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه، فغسلت شق رأسه الأيمن، ثم حولته إلى شقه الأيسر، فغسلت شق رأسه الأيسر، فبقي أثر قدميه عليه، فقال لها: إذا جاء زوجك؛ فأقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عتبة بابك، فلمَّا جاء إسماعيل؛ وجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم؛ شيخ أحسن الناس وجهًا وأطيبهم ريحًا، فقال: كذا وكذا، فقلت له: كذا وكذا، وغسلت رأسه، وهذا موضع قدميه، فقال: ذلك إبراهيم ﵇، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ثم لبث ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يبري نباله تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه؛ قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل؛ إن الله أمرني بأمر تعينني عليه؟ قال: أعينك، قال: إنَّ الله أمرني أن أبني هنا بيتًا، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء؛ جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام إبراهيم على حجر المقام وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة) انتهى، والله أعلم.
وتوجيه القراءتين في ﴿وَاتَّخِذُوا﴾: أن يقال: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ بلفظ الماضي، فمقام إبراهيم: البيت الذي بناه، وهو الكعبة، والمصلى: القبلة؛ لأنَّ الناس سواء حمل على العموم أو خص بالذاكرين لا يصح أن يخبر عنهم بأنَّهم اتخذوا الحجر المعهود أو موضعه صلاة أو دعاء؛ بمعنى: أنَّهم يصلون فيه أو يدعون؛ لأنَّ اتخاذه كذلك إنَّما هو من أحكام شريعتنا ليس شريعة قديمة مثل كون البيت مثابة، فلا جرم أنَّ معنى (المصلى): الموضع الذي يصلى إليه، فإنَّ موضع الصلاة أعم من الموضع الذي يصلى فيه، ومن الموضع الذي يصلى إليه، واستلزم ذلك أن يقال: مقام إبراهيم: هو الكعبة؛ لأنَّ المتوجه إليه في الصلاة إنَّما هو الكعبة بعينها، وسميت بمقام إبراهيم؛ لاهتمامه بها؛ من حيث إنه بناها بنفسه بمعاونة ابنه إسماعيل.
وأمَّا إذا قرئ بلفظ الأمر؛ فيصح أن يجعل (المصلى)؛ بمعنى: ما يصلى فيه، وأن يجعل (المقام)؛ بمعنى: موضع القدمين؛ إذ لا مانع من أن يؤمر جميع الناس بأن يصلوا فيه، وإن لم يصحَّ أن يخبر عنهم بأنَّهم صلوا فيه، ويكون لفظ: (مقام إبراهيم) على قراءة الماضي موضوعًا موضع ضمير البيت؛ للإشارة إلى أنَّ

1 / 270