271

Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

علة اتخاذهم إياه قبلة إضافتُه إلى إبراهيم ﵇؛ من حيث إنَّه بناه بأمر الله تعالى، وروى ابن عباس أنَّه ﵇ قال: «إنَّ لله في كل يوم وليلة مئة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت؛ ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين» انتهى «حواشي شيخ زاده».
(وآية الحجاب)؛ كلام إضافي يجوز فيه: الرفع والنصب والجر، أمَّا الرفع؛ فيحتمل وجهين؛ أحدهما: بالابتداء محذوف الخبر، تقديره: وآية الحجاب كذلك، والآخر: أن يكون معطوفًا على مقدر، تقديره: هو اتخاذ المصلى وآية الحجاب، وأمَّا النصب؛ فعلى الاختصاص، وأمَّا الجر؛ فعلى أنه معطوف على مجرور مقدر، وهو بدل من (ثلاث)، تقديره: في ثلاث: اتخاذ المصلى وآية الحجاب، كذا قرره إمام الشَّارحين.
(قلت: يا رسول الله) أي: قال عمر لرسول الله: (لو أمرت نساءك أن يحتجبن)؛ أي: يتسترن عن غير أزواجهن من الأجانب؛ (فإنَّه يكلِّمهنَّ) الفاء؛ للسببية (البَر)؛ بفتح الموحدة، صفة مشبهة، من بررت أبر، من باب علم يعلم، فأنا برٌّ وبارٌّ، ويجمع (البرُّ) على (أبرار)، و(البارُّ) على (البررة)؛ وهو ما قابل الفاجر، (والفاجر)؛ من الفجور، يقال: فجر فجورًا: فسق، وفجر: كذب، وأصله الميل، فالفاجر: المائل عن الحق.
(فنزلت آية الحجاب) هي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، قال قتادة: (توفي النبيُّ الأعظم ﷺ عن تسع؛ خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وثلاث من سائر العرب: ميمونة، وزينب بنت جحش، وجويرية (^١)، وواحدة من بني هارون: صفية، وأمَّا أولاده؛ فالقاسم، وعبد الله، والطاهر، والطيب، وفاطمة، وزينب، ورقية، وأم كلثوم؛ كلهم من خديجة، وإبراهيم من مارية القبطية، وجميع أولاده ﵇ ماتوا في حياته غير فاطمة، وكانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهنَّ، فأحب عمر أن يأمر الله ورسوله بإرخاء الجلابيب عليهنَّ إذا أردنالخروج إلى حوائجهنَّ، وكن يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف، فيقع الفرق بينهن وبين الإماء، فتعرف الحرائر بسترهن، فيكف عن معارضتهن من كان عزبًا شابًّا، وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تبرز للحاجة، فتعرض لها بعض الفساق يظن أنها أمة، فتصيح به، فيذهب، فشكوا ذلك للنبيِّ الأعظم ﷺ، فنزلت الآية المذكورة)، والجلابيب: جمع جُلباب؛ بضم الجيم، وهو ثوب أكبر من الخمار، وروي عن ابني عباس ومسعود: أنَّه الرداء، وقيل: إنَّه القناع، والصحيح: أنَّه الثوب الذي يستر جميع البدن، وفي «الصحيحين» عن أم عطية قلت: يا رسول الله؛ إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: «لتلبسها صاحبتها من جلبابها»، وفيهما عنه ﵇ أنه قال: «رُبَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة»، وثبت عنه أنَّه قال: «نساء كاسيات، عاريات، مائلات، مميلات، رؤوسهن مثل أسنمة البخت، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها»، وكان عمر ﵁ إذا رأى أمَة قد تقنعت ضربها بالدرة؛ محافظة على زيِّ الحرائر، فانظر هذا الزمان الذي كثر فيه الفساد، وأبيحت الخمور، والولد متلف، والبيت مدلف، والرأي مخلف، والعبد مسرف، والقلب خراب، والخطأ صواب، والزنى فاش، والرياء ماش، والإمام داش، والقاضي راش، والصوفي عكر، والصافي كدر، والملك لاه، والوزير ساه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فيجب على كل راع أن يمنع النساء من الخروج والركوب على السروج؛ فافهم، والله أعلم.
(واجتمع نساء النبيِّ) الأعظم ﷺ؛ أي: الذين دخل بهن، والذين عقد عليهن ولم يدخل بهن، والذين خطبهن ولم يتم نكاحه معهن، ومجموعهن نيف وثلاثون، كما بسطه القرطبي في «تفسيره».
(في الغيرة عليه)؛ بفتح الغين المعجمة، وهي الحمية والأنفة، يقال: رجل غيور وامرأة غيور؛ بلا هاء؛ لأنَّ فعولًا يشترك فيه الذكر والأنثى، يقال: غرت على أهلي أغار غيرة، فأنا غائر وغيور؛ للمبالغة، كذا قاله إمام الشَّارحين.
(فقلت) أي: قال عمر (لهن: عسى ربه إن طلقكن)؛ يعني: لتنتهن عن ذلك، وإلا؛ فعسى ربه إن طلقكن (أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنَّ).
فإن قلت: المبدلات خير (^٢) منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين.
قلت: إذا طلقهن ﵇؛ لعصيانهن له، وإيذائهن إياه؛ لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة له ﵇، والنزول على رضاه وهواه خيرًا منهن، ولهذا قال تعالى: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، وإنَّما أخليتْ هذه الصفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار؛ لأنَّهما صفتان متنافيتان لا يجمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات، فلم يكن بدٌّ من الواو، قاله الإمام جار الله في «كشافه».
وقال الإمام حافظ الدين النسفي: (الآية واردة في الإخبار عن المقدرة لا عن الكون في الوقت؛ لأنَّه ﷿ قال: ﴿إِن طَلَّقَكُنَّ﴾، وقد علم أنَّه لا يطلقهن، وهذا كقوله: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ...﴾؛ الآية [محمد: ٣٨]، فهذا إخبار عن القدرة، وتخويف لهن لا أن في الوجود من هو خير من أمَّة محمد النبيِّ الأعظم ﷺ انتهى.
(فنزلت هذه الآية)؛ أي: المذكورة، قال إمام الشَّارحين: ومطابقة هذا الحديث للترجمة في الجزء الأول، وهو قوله: (لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى)، والمراد بـ (المقام): الكعبة على قول، وهي قبلة، والباب في ما جاء في القبلة، وعلى قول من فسر المقام بالحرم؛ فالحرم كله قبلة في حق الآفاقيين، والباب في أمور القبلة، وأمَّا على قول من فسر المقام بالحجر الذي وقف عليه إبراهيم؛ فتكون المطابقة للترجمة بتعلقه

(^١) في الأصل: (وجويرة)، وليس بصحيح.
(^٢) في الأصل: (خيرًا)، ولعل المثبت هو الصواب.
بالمتعلق بالقبلة لا بنفس القبلة، انتهى.
ثم قال ﵁: (ويستنبط من الحديث أحكام، وهي على ثلاثة أنواع، كما صرح بها الحديث:
الأول: سؤال عمر ﵁ من رسول الله ﵇ أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلًّى.
وزعم الخطابي أنَّ عمر سأل أن يجعل ذلك الحجر الذي فيه أثر مقامه مصلًّى بين يدي القبلة يقوم الإمام عنده، فنزلت الآية.
وزعم ابن الجوزي فإن قلت: ما السر في أنَّ عمر لم يقنع بما في شرعنا حتى طلب الاستنان بملة إبراهيم، وقد نهاه النبيُّ الأعظم ﷺ عن مثل هذا حين أتى بأشياء من التوراة؟
والجواب: أنَّ عمر لما سمع قوله تعالى في إبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، ثم سمع: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]؛ علم أن الائتمام به مشروع في شرعنا دون غيره، ثم رأى أن البيت مضاف إليه، وأنَّ أثر قدمه في المقام كرقم اسم الباني في البناء؛ ليُذكر به بعد موته، فرأى الصلاة عند المقام كقراءة الطائف بالبيت اسم من بناه) انتهى.
قال إمام الشَّارحين: (ولم تزل آثار قدمي إبراهيم ﵇ ظاهرة فيه معروفًا عند العرب في جاهليتها، ولهذا قال أبو طالب في «قصيدته اللامية» المعروفة:
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة... على قدميه حافيًا غير ناعل
وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضًا، كما قال عبد الله بن وهب: أخبرني يونس، عن الزهري: أن أنس بن مالك حدثهم قال: رأيت المقام فيه أصابعه ﵇ أخمص قدميه غير أنَّه أذهبه مسح الناس بأيديهم، وقال ابن جرير: حدثنا بشر بن معاذ: حدثنا يزيد بن زريع: حدثنا سعيد عن قتادة: ﴿وَاتَّخِذُوا...﴾؛ الآية [البقرة: ١٢٥]، قال: إنَّما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأُمَّة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيها، فما زالت هذه الأمَّة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى) انتهى.
(النوع الثاني: الحجاب، فكان ﵇ جاريًا فيه على عادة العرب، ولم يكن يخفى عليه ﵇ أنَّ حجبهن خير من غيره، لكنَّه كان ينظر الوحي؛ بدليل أنَّه لم يوافق عمر حين أشار بذلك)، قاله القرطبي.
قلت: وحديث الباب يردُّ عليه؛ لأنَّ عمر ﵁ لما سأل رسول الله ﵇ أن يحجب نساءه؛ لم يحصل بينهما عدم موافقة ولا إشارة بالعدم، بل عقب سؤال عمر نزل الحجاب؛ بدليل عليه قوله: (فنزلت آية الحجاب)، فأتى بالفاء التعقيبية؛ إشارة إلى عدم وقوع المهلة بينهما، بل عقب السؤال نزل الحجاب، ويدل عليه أيضًا ما رواه أبو داود الطيالسي: عن أنس قال: قال عمر: (وافقت ربي في أربعة...)؛ الحديث، وفيه: قلت: يا رسول الله؛ لو ضربت على نسائك الحجاب؛ فإنَّه يدخل عليهن البرُّ والفاجر، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]»، وهذا يدل على أنَّه لم يقع بينهما إشارة بعدم الموافقة، بل كان ﵇ يحب في نفسه نزول الحجاب، ولم يأمر به ولم ينه عنه حتى نزلت الآية؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: (وكان الحجاب في السنة الخامسة، قاله قتادة، وقيل: في السنة الثالثة، وهو قول أبي (^١) عبيدة يعمر بن المثنى، وعند ابن سعد: أنَّه في ذي القعدة سنة أربع، وكان السبب في ذلك أنه لما تزوج زينب بنت جحش؛ أولم عليها، فأكل جماعة، وهي مولية بوجهها إلى الحائط ولم يخرجوا، فخرج رسول الله ﵇ ولم يخرجوا، وعاد ولم يخرجوا، فنزلت آية الحجاب) انتهى.
قلت: وعلى هذا؛ فيكون نزول الحجاب سنة خمس؛ لما رواه الدارقطني: أنَّه ﵇ تزوج زينب بالمدينة في سنة خمس من الهجرة، وتوفيت سنة عشرين، وهي بنت ثلاث وخمسين، ذكره القرطبي، وقال القاضي عياض: (أمَّا الحجاب الذي خص به زوجات النبيِّ الأعظم ﷺ؛ فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا لغيرها، ولا إظهار شخصهن، كما فعلت حفصة يوم مات أبوها، ستر شخصها حين خرجت، وبنيت عليها قبة لما توفيت، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾) انتهى.
قلت: وهذه الآية عامة شاملة لجميع النساء، فالله سبحانه أمر الجميع (^٢) بالتستر، وأنَّ ذلك لا يكون إلا بما لا يصف (^٣) جلدها إلا إذا كانت مع زوجها؛ فيجب الستر والتقنع في حق الجميع من الحرائر والإماء، وهذا كما أن أصحاب رسول الله ﵇ منعوا النساء المساجد بعد وفاته ﵇ مع قوله: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، حتى قالت عائشة ﵂: لو عاش رسول الله ﵇ إلى وقتنا هذا؛ لمنعهنَّ من الخروج إلى المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل.
قلت: فيجب في زماننا المنع مطلقًا، سواء كان خروجهن للمساجد أو لغيرها؛ لفساد الزمان؛ فافهم.
النوع الثالث: اجتماع نساء النبيِّ الأعظم ﷺ في الغيرة عليه، وهو ما ذكره البخاري في تفسير سورة البقرة، حدثنا مسدد، عن يحيى، عن حميد، عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله؛ يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبيِّ الأعظم ﷺ بعض نسائه، فدخلت عليهن، قلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرًا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه؛ فقالت: يا عمر؛ أمَا في رسول الله ﵇ ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ...﴾؛ الآية [التحريم: ٥]، وأخرج في سورة التحريم: حدثنا عمرو بن عون: حدثنا هشيم عن حميد، عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبيِّ الأعظم ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكنَّ أن

(^١) في الأصل: (أبو)، وليس بصحيح.
(^٢) في الأصل: (حميع)، والمثبت هو الصواب.
(^٣) في الأصل: (لا يوصف)، ولعل المثبت هو الصواب.

1 / 271