ولفظة (كل شيء) أي: من الكائنات، وهي تعم كل موضع بحسب ما سيقت له، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] .
قوله: فإذا هي يُقطع دونها السراب: أي يحول بيني وبينها السراب، والسراب هو: ما يُرى نهارًا في الفلاة كأنه ماء (١)، وهذا كناية عن بُعدها.
قوله: فوالله لوددت أني كنت تركتها: وفي رواية (لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم) . قال ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ (الود المذكور تسلط على مجموع ذهابها وعدم قيامه لا على أحدهما فقط؛ لأن ذهابها كان قد تحقق بانفلاتها، والمراد بالذهاب: الفقد الكلي) (٢) .
فكانت رغبته في بقائه في مجلس رسول الله ﷺ يتعلم العلم والإيمان، ولا يفوته آخر الحديث، فهو تأسف على أنه قد فاته آخر حديث رسول الله ﷺ، وفي هذا بيان حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على تحصيل العلم، والبحث عن الخير.
وقد بحث ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ عن تتمة الحديث التي تأسف عليها عمران بن حصين (ت - ٥٢هـ) ﵁ فقال: (وقد كنت كثير التطلب لتحصيل ما ظن عمران أنه فاته من هذه القصة إلى أن وقفت على قصة نافع بن زيد الحميري (٣) فقوي في ظني أنه لم يفته شيء من هذه القصة بخصوصها، لخلو قصة نافع بن
(١) انظر: لسان العرب لابن منظور ١/٤٦٥ مادة (سرب)، وفتح الباري لابن حجر ٦/٢٩٠.
(٢) فتح الباري ١٣/٤١٠.
(٣) نافع بن زيد الحميري، صحابي جليل، قدم وافدًا على رسول الله ﷺ في نفر من حمير، وسألوه عن أول هذا الأمر، فقال ﵊: كان الله ولم يكن شيء قبله.
انظر في ترجمته: الإصابة لابن حجر ٣/٥٤٤.