وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: جملة معترضة بين النهي وجوابه، تقريرا له، ودفعا لما عسى أن يتوهم كونه مسوغا لطرد المتقين من أقاويل الطاعنين في دينهم، كدأب قوم نوح حيث قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ١ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ٢، والمعنى: ما عليك شيء ما من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة، كما يقوله المشركون حتى تتصدى له، وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام، وإنما وظيفتك- حسب ما هو شأن منصب الرسالة- النظر إلى ظواهر الأمور وإجراء الأحكام على موجبها، وتفويض البواطن وحسابها إلى اللطيف الخبير، وظواهر هؤلاء دعاء ربهم بالغداة والعشي.
وروي عن ابن زيد أن المعنى: ما عليك شيء من حساب رزقهم٣، أي: من فقرهم، والمراد: لا يضرك فقرهم شيء ليصح لك الإقدام على ما أراده المشركون منك فيهم.
وقوله: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ عطف على ما قبله، وجيء به – مع أن الجواب قد تم بذلك- مبالغة في بيان كون انتفاء حسابهم عليه ينظمه٤، في سلك ما لا شبهة له أصلا، وهو كون انتفاء حسابه ﷺ عليهم، فهو على طريقة قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ٥ في راي.
١ في المخطوط "مانراك".
٢ هود: ٢٧.
٣ "روح المعاني" (٧/١٦٠) .
٤ في المخطوط "بنظمه" وما أثبته من المطبوع، وهو الموافق لما في "روح المعاني" الذي نقل عنه المؤلف.
٥ الأعراف: ٣٤، النحل:٦١.