306
٢٦ - زيارة القبور
زيارة القبور يوم العيد غير مشروعة، يقول السائل: جرت العادة عندنا أن يذهب الناس يوم العيد بعد انتهاء صلاة العيد لزيارة القبور ويقرؤون القرآن حول القبر وتخرج النساء كذلك معهم ويوزعون الحلوى والقهوة والشاي ويضعون جريد النخل والزهور على القبور فما قولكم في ذلك؟
الجواب: إن زيارة القبور سنة مشروعة عن الرسول ﷺ فقد ثبت في الحديث قوله ﵊ (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم بالآخرة) رواه مسلم.
ولكن الشرع لم يحدد يوما ً معينًا لزيارة القبور لذلك فإن تخصيص يومي العيد بزيارة القبور بدعة مكروهة وقد تكون حرامًا إذا رافقتها الأمور المنكرة التي نشاهدها في أيامنا هذه يوم العيد من خروج النساء المتبرجات إلى القبور واختلاطهن بالرجال وكذلك انتهاك حرمات الأموات من الجلوس على القبور ووطئها بالأقدام وغير ذلك من الأمور المخالفة لهدي المصطفى ﷺ.
وينبغي أن يعلم أنه لا يجوز تخصيص زمان أو مكان بشيء من العبادة إلا بدليل شرعي. وتخصيص يوم العيد بزيارة القبور مما لم يرد عن الرسول ﷺ فلم يكن من هدي المصطفى ﷺ ولا صحابته ﵃ زيارة القبور يوم العيد وإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ وإن الخير كل الخير بالاتباع والشر كل الشر بالابتداع.
وأما قراءة القرأن على القبور فأمر غير مشروع أيضًا بل هو بدعة منكرة ما فعلها رسول ﷺ ولا نقلت عن صحابته ﵃ ولا يجوز فعل ذلك وعلى المسلم أن يقتدي بالرسول ﷺ وصحابته الأخيار ﵃.
والرسول ﷺ علم الصحابة ما يقولون عند زيارتهم للقبور فقد ورد في الحديث عن بريدة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية) رواه مسلم.
فالمشروع في حق من يزور المقابر أن يسلم على الأموات بهذه الصيغة أو نحوها وأن يدعو ويستغفر لهم وأما قراءة الفاتحة كما يفعله أكثرالناس اليوم وكذا قراءة غيرها من القرآن لا أصل له في الشرع وإن توارثه الناس في بلادنا كابرًا عن كابر فإن الحق في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ لا فيما يعتاده الناس.
قال الشيخ محمد رضا صاحب تفسيرالمنار (... فاعلم أن ما اشتهر وعم ّ البدو والحضر من قراءة الفاتحة للموتى لم يرد في حديث صحيح ولا ضعيف فهو من البدع المخالفة لما تقدم من النصوص القطعية ولكنه صار بسكوت اللابسين لباس العلماء وبإقرارهم له ثم بمجاراة العامة عليه من قبيل السنن المؤكدة أو الفرائض المحتمة) ٨/٢٦٨.
ومما يدل على عدم مشروعية قراءة القرآن على القبور قول النبي ﷺ (لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة) رواه مسلم.
فهذا يدل على أن القبور ليست محلًا لقراءة القرآن شرعًا فلذلك حض الرسول ﷺ على قراءة القرآن في البيوت ونهى عن جعل البيوت كالمقابر في عدم قراءة القرأن.
وأما خروج النساء إلى زيارة القبور في أي يوم من أيام السنة فالأصل فيه الجواز لدخول النساء في عموم قوله ﷺ في الحديث المتقدم (كنت نهيتكم ... ألا فزوروها) ولأن العلة في زيارة القبور وهي التذكرة بالآخرة تشارك النساء فيها الرجال ولثبوت ذلك بأحاديث منها حديث عبد الله بن أبي مليكة: أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن ابن أبي بكر فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، ثم أمر بزيارتها) رواه الحاكم والبيهقي، وإسناده صحيح قاله الألباني.
وفي رواية عنها (أن رسول الله ﷺ رخص في زيارة القبور) رواه ابن ماجة.
وفي الباب أيضًا حديث عائشة عند مسلم وهو حديث طويل لم أذكره لذلك.
وأما خروج النساء لزيارة القبور يوم العيد فحكمه كما قلت سابقًا لا يجوز فهو بدعة مكروهة لأنه تخصيص لعبادة بزمان معين بدون دليل وقد يصل إلى درجة التحريم إذا عرفنا حال كثير من النساء اللواتي يخرجن إلى المقابر من التبرج، وإبداء الزينة والاختلاط الفاحش بالرجال فأرى أنه يجب على أولياء أمورهن منعهن من الخروج إلى المقابر وهن على تلك الحال وإن لم يفعلوا فهم آثمون والعياذ بالله.
وأما وضع جريد النخل وباقات الزهور أو أكاليل الزهور على القبور فلا يجوز أيضًا لأنه أمر محدث ولا يصح الاحتجاج بحديث ابن عباس وهو بما معناه أن النبي ﷺ مر على قبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير.. ثم أخذ جريدة فشقها نصفيفن فوضع كل نصف على قبر وقال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) .
فهذا الحديث صحيح ولا شك ولكن لا دلالة فيه على أن وضع جريدة النخل وأكاليل الزهور على قبور الأموات عامة جائز لما يلي:
أولًا: إن النبي ﷺ أعلمه الله أن الرجلين يعذبان ونحن لا نعرف هل أصحاب القبور يعذبون أم لا؟
ثانيًا: إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الأموات لأننا نظن ظن السوء أنهم يعذبون وما يدرينا لعلهم ينعمون.
ثالثًا: إن وضع الجريد والزهور لما كان عليه سلف الأمة الصالحة الذين هم أعلم بشريعة الله منا.
رابعًا: إن وضع جريد النخل على القبر خاص برسول الله ﷺ قال الخطابي في معالم السنن " أنه من التبرك بأثر النبي ﷺ ودعائه بالتخفيف عنهما.. إلى أن قال: والعامة في كثير من البلدان تغرس الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه " ١/٢٧.
ويؤيد أن وضع الجريد خاص برسول الله ﷺ ما ورد في حديث جابر عند مسلم وفيه (أني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين) فهذا دليل على أن رفع العذاب عنهما كان بسبب شفاعة الرسول ﷺ ودعائه لا بسبب نداوة الغصنين.
وبناء على ما تقدم لا أنصح أحدًا من المسلمين بوضع جريد النخل أو أكاليل الزهور على القبور وأنصح من يفعلون ذلك بأن يتصدقوا بثمن ذلك عن أمواتهم فإن ذلك ينفعهم ويصلهم ثوابه إن شاء الله كما قاله بعض المحققين من العلماء.

7 / 26