357

مسافر حضرته الصلاة ولم يجد ماء إلا في إناء وأخبره رجل أنه نجس قال في الكتاب إن كان المخبر عدلا ليس له أن يتوضأ بذلك الماء وإن كان فاسقا فله أن يتوضأ بذلك الماء لأن الطهارة في الماء أصل فيتمسك بالأصل فلا يبطل حكمه كما لا يثبت الخبر برواية الفاسق * بخلاف ما إذا أخبره فاسق في المعاملات فإن ثم يجوز الأخذ بقول الفاسق لمكان الضرورة وإن كان المخبر بنجاسة الماء مستورا فالمستور فيه بمنزلة الفاسق في ظاهر الرواية لأن العدالة شرط وما كان شرط لا يكتفى بوجوده من حيث الظاهر كمن قال لعبده إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر فقال العبد لم أدخل وقال المولى دخلت كان القول قول المولى وإن كان الظاهر شاهد للعبد فإن كان المخبر بنجاسة الماء عبدا ثقة فالعبد بمنزلة الحر العدل كما في رواية الاخبار * وإن كان المخبر بنجاسة الماء امرأة حرة فالمرأة بمنزلة الرجل كما في رواية الاخبار والأمة الثقة بمنزلة الحرة فإن أراق الماء ثم تيمم كان ذلك أحوط وإن كان أكبر رأيه أن المخبر بنجاسة الماء كاذب فإنه يتوضأ به ولا يتمم وإن كان المخبر بنجاسة الماء رجلا من أهل الذمة لا يقبل قوله فإن وقع في قلبه أنه صادق في هذا الوجه قال في الكتاب أحب إلى أن يريق الماء ثم يتمم ولو توضأ به وصلى جازت صلاته * وفي خبر الفاسق إذا وقع في قلبه أنه صادق فإنه يتمم ولا يتوضأ به لأن الفاسق من أهل الشهادة على المسلم أما الكافر ليس من أهل الشهادة على المسلم * ولو كان المخبر بنجاسة الماء صبيا أو معتوها يعقلان ما يقولان قال فهو كذلك * من أصحابنا من قال المراد بهذا العطف أن الصبي كالبالغ * إذا كان مرضيا ويسقط اعتبار البلوغ كما يسقط فيه اعتبار الذكورة والحرية ويكون هو كالبالغ كما في المعاملات * والأصح أن مراده العطف على الذمي فإن خبر الصبي والمعتوه في هذا كخبر الذمي لأنه ليس لهما ولاية الإلزام * ولو أن رجلا دخل على قوم من المسلمين يأكلون طعاما ويشربون شرابا فدعوه إليه فقال له رجل ثقة منهم عرفه هو هذا اللحم ذبيحة المجوسي وهذا شراب خالطه خمر فقال الذين دعوه إلى ذلك ليس الأمر كما قال بل هو حلال فإنه ينظر في حالهم فإن كانوا عدولا لا يلتفت هو إلى قول ذلك الواحد الذي أخبره بالحرمة وإن كانوا متهمين فإنه يأخذ بقول ذلك الواحد ولا يسعه أن يتناول شيئا من ذلك سواء كان المخبر بالحرمة حرا أو مملوكا ذكرا أو أنثى لأن قول الواحد الثقة مقبول في الديانات * ولو كان في القوم رجلان ثقتان فإنه يأخذ بقولهما * وإن كان في القوم ثقة واحد فإنه يعمل بذلك بأكبر رأيه * فإن لم يكن في ذلك رأي له واستوى الحالان عنده فلا بأس بأن يأكل في ذلك ويشرب ويتوضأ منه * وإن كان الذي أخبره بأنه حلال مملوكين ثقتين والذي يزعم أنه حرام واحد فلا بأس بأكله لأنه في الخبر الديني الحر والمملوك سواء فيترجح قول المثنى * وإن كان الذي يزعم أنه حرام مملوكين ثقتين والذي يزعم أنه حلال حرا واحدا فإنه لا ينبغي له أن يأكل لترجح قول المثنى * رجل تزوج امرأة فأخبره مسلم ثقة رجل أو امرأة أنهما ارتضعا من امرأة واحدة قال في الكتاب أحب إلى أن يتنزه فيطلقها ويعطيها نصف المهر إن لم يكن دخل بها ولا تثبت الحرمة بخبر الواحد عندنا ما لم يشهد به رجلان أو رجل وامرأتان * وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى تثبت حرمة الرضاع بشهادة الأربع من النساء وإنما يتنزه احتياطا لمكان حرمة الوطء فيطلقها كي لا تبقى معلقة ويعطيها نصف المهر قبل الدخول والكل بعده وإن كان المسمى أكثر من مهر المثل يستحب أن لا تأخذ منه شيئا قبل الدخول وبعد الدخول يستحب لها أن تبرئ الزوج عما زاد على مهر المثل إذا كان المسمى أكثر من مهر المثل لأن الزيادة إنما تجب بحكم النكاح وذلك محتمل * وإن لم يطلقها ولم يتنزه وسعه ذلك لأن ملك النكاح لم يبطل بهذه الشهادة * وكذلك رجل اشترى جارية فأخبره عدل ثقة أنها حرة الأبوين أو أنها أخته من الرضاع فإن تنزه عن وطئها فهو أفضل وإن لم يتنزه وسعه ذلك لأن ملك اليمين لم يبطل بهذه الشهادة * مسلم اشترى لحما وقبضه فأخبره مسلم ثقة أنه ذبيحة مجوسي فإنه لا ينبغي للمشتري أن يأكل ولا يطعم غيره لأن المخبر أخبره بحرمة العين وبطلان الملك وحرمة العين حق الله تعالى فيثبت بخبر الواحد * وأما بطلان الملك لا يثبت بخبر الواحد وليس من ضرورة ثبوت الحرمة بطلان الملك فتثبت الحرمة مع بقاء الملك * بخلاف ما تقدم لأن بقاء النكاح لا يتصور مع ثبوت الحرمة المؤبدة * فإذا لم يبطل النكاح بخبر الواحد لا تثبت الحرمة وإذا ثبتت الحرمة مع بقاء ملك اليمين ههنا لا يمكنه الرد على بائعه ولا أن يحبس الثمن عن البائع إذا لم يبطل البيع * ولو أنه لم يشتر اللحم ولكن الذي كان اللحم في يده أذن له بالتناول فأخبره مسلم ثقة أنه ذبيحة مجوسي لا يحل له أن يأكل لأنه أخبره بما هو حق الله تعالى فتثبت الحرمة * ولو أنه أذن له بالتناول ثم باعه منه بعد الإذن أو ملكه لسبب آخر بميراث أو هبة ثم أخبره مسلم ثقة أنه حرام العين لا يحل تناوله * ولو أن رجلا ملك طعاما أو جارية بميراث أو بيع أو هبة أو سبب من الأسباب ثم أخبره مسلم ثقة أن هذا الفلان بن فلان الفلاني غصبه منه البائع أو الواهب أو الميت قال أحب إلى أن يتنزه فلا يأكل ولا يشرب ولا يتوضأ ولا يطأ جارية لأن بخبر الواحد العدل تثبت الريبة فيتنزه وإن لم يتنزه كان في سعة من ذلك لأن المخبر ما أخبره بحرمة العين وإنما أخبره أن من يملك منه كان غاصبا وهو مكذب في هذا الخبر شرعا لأن اليد دليل الملك فلهذا قال إن تنزه كان أفضل وإن لم يتنزه كان في سعة من ذلك وكذلك لو أن رجلا في يده طعام فأذن لغيره بالتناول وأخبره ثقة أن هذا الطعام والشراب غصب في يده من فلان والذي في يده ينكر ويزعم أنه له إن تنزه كان أفضل وإن لم يتنزه كان في سعة من ذلك * وكذا إذا لم يكن الذي في يده ثقة لأن اليد دليل الملك فالمخبر إنما أخبره بالحرمة حقا للمغصوب منه وقول الواحد جعل حجة في حقوق العباد في حكم التنزه لا في حكم بطلان الملك * وكذا لو كان ماء وهو في سفر ولم يجد ماء غير ذلك فإنه يتوضأ به ولا يتيمم هذا إذا لم يكن الذي في يده ثقة * فإن كان عدلا ثقة وزعم أنه لم يغصبه من أحد اختلف المشايخ فيه * قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى ههنا لا يتنزه بخلاف ما لو كان فاسقا * وغيره من المشايخ قال هذا والأول سواء يتنزه وهو الصحيح لأن ذا اليد وإن كان عدلا فهو يدفع الغصب عن نفسه فلا يعارض قوله قول المخبر في حكم التنزه * ولو أن رجلا أراد أن يشتري لحما فقال له رجل عدل لا تشتر فإنه ذبيحة مجوسي وقال له القصاب إنه ذبيحة مسلم والقصاب عدل قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى إن السامع يتحرى فإن لم يقع تحريه على شيء يسقط الخبران فتبقى الإباحة الأصلية * وعلى قول المشايخ رحمهم الله تعالى لا يشتري ويأخذ بقول من أخبره أنه ذبيحة مجوسي لأن البيع صار حراما على البائع بقول المخبر أنه ذبيحة مجوسي والبائع يدفع الضرر عن نفسه فيكون متهما فلا يأخذ بقول البائع وقال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى كان شيخنا الإمام رحمه الله تعالى يقول إذا أتى الصبي بقالا بفلوس ليشتري منه شيئا وأخبره أن أمه أمرته بذلك فإن طلب الصابون ونحو ذلك لا بأس للبقال أن يبيع منه وإن طلب الزبيب والجوز وما يأكله الصبيان عادة ينبغي ألا يبيع منه لأنه كاذب فيما يقول ظاهرا وإن قال الصغير هذا لي وقد أذن لي أبي أن أهبه لك أو أتصدق به عليك لا ينبغي للسامع أن يقبل ذلك منه لأن الأب لو أذن للصغير بهذا التصرف لا يصح إذنه * بخلاف ما لو قال هو لأبي بعثه إليك على يدي هبة أو صدقة فإنه يجوز للسامع أن يقبل ذلك منه * وكذا الفقير إذا أتاه عبد أو أمة بصدقة من المولى * ولو أن رجلا عرف جارية لرجل يدعيها ويزعم أنها له والأمة تصدقه في أنها له ثم رأى الجارية في يد رجل آخر يقول هذا الذي في يده كانت الجارية في يد فلان وفلان ذلك كان يدعي أنها له والجارية تصدقه في ذلك إلا أن الجارية كانت لي وإنما أمرت فلانا بذلك لأمر خفية وصدقته الجارية في قوله هذا والمدعي مسلم ثقة لا بأس للسامع أن يشتر بها منه لأنه أخبر بخبر يحتمل الصحة * وإن كان في أكبر رأى السامع أن الذي في يديه الجارية كاذب فيما يقول لا ينبغي للسامع أن يشتريها منه ولا يقبل هبته ولا صدقته لأن الإقرار ذي اليد أنها كانت في يد فلان وفلان يدعي أنها له إقرار منه بملك فلان فإذا كان في أكبر رأيه أنه كاذب فيما يقول أنها لي لا يقبل قوله ولا يشتري منه الجارية ولو لم يقل ذو اليد ذلك ولكنه قال هي لي ظلمني فلان وغصبها مني فأخذتها منه لا ينبغي للسامع أن يشتري منه ولا يقبل هبته ولا صدقته كان الذي في يديه ثقة أو لم يكن ثقة * بخلاف ما إذا لم يدع الغصب وإنما أقر بالتلجئة لأن الغصب أمر مستنكر فلا يقبل قوله في ذلك أما في التلجئة ما أخبر بخبر مستنكر فيقبل قوله إذا كان ثقة * فإن قال الذي في يديه كان فلان ظلمني وغصبها مني ثم رجع عن ظلمه فأقر بها لي ودفعها إلي فإن كان ثقة فلا بأس أن يقبل منه ويشتري منه الجارية لأنه أخبر بخبر مستقيم وهو الرجوع عن الظلم وما أقر على نفسه سبب الضمان وهو الأخذ * وكذا لو قال غصبها مني فلان فخاصمته إلى القاضي فقضى القاضي لي بها ببينة أقمتها أو بنكوله عن اليمين فإنه يجوز للسامع أن يقبل قوله إذا كان ثقة لأنه أخبر بخبر مستقيم وهو إثبات الملك بالحجة وإنما شرط أن يكون ثقة لأن كلامه أنها كانت في يد فلان إقرار لفلان بالملك ظاهرا وإن كان المخبر كاذبا في أكبر رأي السامع فإنه لا يشتريها منه في جميع هذه الوجوه ولا يقبل قوله * وإن قال قضى لي بها القاضي فأخذها منه ودفعها لي أو قال قضى القاضي بها لي فأخذتها من منزله بإذنه أو بغير إذنه إن كان ثقة كان له أن يقبل قوله * وإن قال قضى لي بها فجحد القضاء فأخذتها منه لا ينبغي له أن يقبل قوله وإن كان ثقة لأنه لما جحد القضاء كان أخذه في حالة المنازعة فلا يقبل قوله كما لو قال اشتريت هذه الجارية من فلان ونقدته الثمن ثم جحد البيع فأخذتها منه فإنه لا ينبغي له أن يقبل قوله لأن القول قول الجاحد في الشرع * ولو أن رجلا قال اشتريت هذه الجارية من فلان ونقدت الثمن وقبضتها بأمره وهو مأمون ثقة عند السامع وقال له رجل آخر أن فلانا ذلك جحد هذا البيع وزعم أنه لم يبع منه شيئا والقائل الثاني مأمون ثقة أيضا فإنه لا ينبغي للسامع أن يقبل قوله وأن يشتريها منه لأن الأول أخبر أن فلانا جحد الشراء لا يكون للسامع أن يشتري منه فكذا إذا أخبره غيره بالجحود * وإن كان المخبر الثاني غير ثقة إلا أن في أكبر رأي السامع أن الثاني صادق فكذلك * وإن كان في أكبر رأيه أنه كاذب فلا بأس بأن يشتريها منه إذا لم يكن المخبر الثاني ثقة * وإن كانا جميعا غير ثقة وفي أكبر رأي السامع أن الثاني صادق لا ينبغي له أن يشتريها منه ولا يقبل قوله وهو بمنزلة ما لو كان الثاني ثقة * رجل رأى عينا في يد رجل وقد علم أنه لغيره فقال له ذو اليد أنا ملكته من فلان ذلك بسبب من الأسباب أو قال فلان ذلك وكلني ببيعه فإنه يحل له أن يشتري منه والقياس أن لا يحل لأنه متهم في جر المنفعة إلى نفسه وإنما حل له أن يشتري منه استحسانا لمكان الضرورة فإنا لو شرطنا لإباحة الشراء منه وقبوله قول إقامة الشاهدين يضيق الأمر على الناس * وهذه الضرورة معدومة فيما إذا أخبره عدل على خلاف ذلك * ولو أن رجلا في يديه جارية تقر بالرق لذي اليد فشهد مسلم عند رجل آخر أن الجارية التي في يد فلان أمة لفلان آخر غصبها منه الذي في يديه والذي في يديه يجحد ذلك ويقول هي لي والذي في يديه غير مأمون قال في الكتاب أحب إلي أن لا يشترى منه وإن اشتراها ووطئها كان في سعة من ذلك لأن المخبر فيما أخبر بالغصب مكذب شرعا فكان للسامع أن يشتري * والأحوط أن لا يشتري * ولو أخبره مسلم ثقة أنها حرة الأصل أو أخبره أنها كانت أمة لذي اليد أعتقها فهذا والأول سواء وإن اشتراها كان في سعة من ذلك لأن ملك الإنسان لا يزول بقول الواحد * وإن لم يشتر كان أولى * ولو كانت الجارية لرجل فأخذها رجل آخر وأراد بيعها قال في الكتاب لا ينبغي لمن عرفها للأول أن يشتري من الذي في يديه حتى يعلم أنها خرجت من ملك الأول وانتقلت إلى ذي اليد بسبب صحيح أو يعلم أن الأول وكله ببيعها فإن سأل ذا اليد فقال ذو اليد اشتريتها منه أو وهبها لي أو تصدق بها علي أو قال وكلني ببيعها فإن كان ذو اليد ثقة فلا بأس بأن يقبل قوله ويشتري ويطأ وإن كان غير ثقة إلا أن في أكبر رأيه أنه صادق فكذلك لأن قول المخبر مقبول في المعاملات إذا لم يعارضه قول آخر * وإن لم يكن عدلا وكان في أكبر رأيه أنه كاذب لا ينبغي له أن يقبل قوله ولا أن يشتري منه * وكذا لو لم يعلم أن ذلك الشيء لغير الذي في يديه إلا أم الذي في يديه أخبره أنه لغيره وأن ذلك الغير وكله بالبيع أو باعه منه أو وهب له لأن إقرار ذي اليد بالملك لغيره بمنزلة العلم إن كان المخبر ثقة * وإن كان غير ثقة لكن في أكبر رأيه أنه صادق فكذلك * وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لا يقبل قوله فلا يشتري منه * وإن كان الذي في يديه لم يخبره أن ذلك الشيء لغيره فلا بأس بشرائه منه وأن يقبل هبته وإن لم يكن ثقة لأن اليد دليل الملك يستوي فيه الفاسق والعدل إلا أن يكون الذي في يديه ممن كان مثله لا يتملك مثل ذلك العين * كما لو رأى درة متقومة في يد فقير ورأى كتابا في يد جاهل لم يكن في آبائه من هو أهل لذلك فيكون الأفضل أن يتنزه ولا يشتري * وإن اشتراه أو قبل هبته وهو لا يعلم أنه لغيره قال رجوت أن يكون في سعة في ذلك لأن اليد دليل الملك شرعا كان المشتري معتمدا على دليل شرعي وإنما علقه بالرجاء لأن في وهم كل واحد أن مثله لا يملك هذا العين * وإن كان الذي أتاه به عبدا أو أمة لا ينبغي له أن يشتري منه حتى يسأله عن ذلك لأن الرق مانع من الملك * فإن سأله فأخبره بأن مولاه قد أذن له فيه وهو مأمون ثقة لا بأس بأن يشتري منه * وإن كان غير ثقة فإن كان أكبر رأيه أنه صادق فيما يقول يقبل قوله * وإن كان في أكبر رأيه أنه كاذب ببل يقبل قوله * وإن لم يكن له رأي في ذلك لا يشتري منه ولا يقبل قوله لأن المانع من التصرفات ظاهر وهو الرق فلا يقبل قوله ما لم يترجح جانب الصدق * وكذا الصبي الذي لم يبلغ وهو مملوك أو حر إن أخبره أنه مأذون له في بيعه أو أن فلانا بعث على يديه هبة أو صدقة فإن كان أكبر رأيه أنه صادق وسعه أن يصدقه لأن بعث الهدايا على يد المماليك والصبيان معتاد والرجل يبعث الهدايا إلى المعلم على يد الصبي * وإن كان في أكبر رأيه أنه كاذب لا ينبغي له أن يقبل قوله * رجل قدم بلدا بأعيان وطعام وجوار وقال أنا مضارب فلان وأنا مفاوضه أو وكيله كان للناس أن يشتروا منه * وكذا العبد إذا قدم بلدا فادعى أن مولاه أذن له في التجارة كان للناس أن يقبلوا قوله ويعاملوا معه * ولو أن رجلا تزوج امرأة لم يرها فأدخلها عليه إنسان وقال أنها امرأته وسعه أن يقبل قوله ويطأها إذا كان ثقة عنده أو كان في أكبر رأيه أنه صادق * وكذا رجل دخل على غيره ليلا وهو شاهر سيفه أو ماد رمحه يسدد نحوه وصاحب المنزل لا يدري أنه لص أو هارب من اللصوص فإنه يحكم رأيه فإن كان في أكبر رأيه أنه لص دخل عليه ليأخذ ماله ويقتله إن منعه وصاحب المنزل يخاف أنه لو زجره أو صاح به بادره بالضرب كان لصاحب المنزل أن يقتله * وإن كان في أكبر رأيه أنه هارب من اللصوص لا ينبغي له أن يعجل فلا يقتله جوز العمل في هذه المسائل بأكبر الرأي عند الحاجة وإنما يتوصل لأكبر الرأي بالداخل عليه بأن يحكم بزيه وهيئته أو كان عرفه قبل ذلك بالجلوس مع أهل الخير يستدل بذلك على أنه هارب من اللصوص وإن عرفه بالجلوس مع اللصوص وأهل الشر يستدل بذلك على أنه سارق * رجل قال لغيره إن فلانا أمر بي ببيع جاريته التي في منزله ودفعها إلى مشتريها كان للسامع أن يشتريها منه وأن يقبض الجارية من منزل مولاها إذا دفع المشتري الثمن إلى بائعها إن كان البائع ثقة أو غير ثقة وقع في قلبه أنه صادق فإن وقع في قلبه أنه كاذب إن وقع في قلبه ذلك قبل الشراء لا ينبغي له أن يشتري حتى يسأل مولاها * وإن وقع في قلبه ذلك بعد الشراء لا يتعرض للجارية لأن أكبر الرأي في حقه بمنزلة اليقين * وإن قبضها ووطئها ثم وقع في أكبر رأيه أن البائع كاذب فيما قال فإنه يترك وطأها حتى يتعرف خبرها وإن كان المشتري حين اشتراها شهد عنده شاهد أعدل أن مولى الجارية أمر ببيعها ثم حضر المولى وجحد الأمر بالبيع كان المشتري في سعة من إمساكها وكان له أن يتصرف فيها حتى يخاصمه المولى إلى القاضي لأن شهادة الشاهدين حجة تامة ولو شهدا عند القاضي يقضي القاضي بالوكالة وصحة البيع * وكذا إذا شهدا عند المشتري * ولو أن القاضي قضى لمولاها لا يسع للمشتري بشهادة الشاهدين اللذين شهدا عنده أن يمسكها لأن شهادتهما لم تكن ملزمة وقضاء القاضي ملزم * رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها حتى غاب عنها فأخبره مخبر أنها قد ارتدت فإن كان المخبر عنده ثقة وهو حر أو مملوك أو محدود في قذف وسعه أن يصدق المخبر ويتزوج أربع نسوة سواها لأن هذا خبر بأمر ديني وهو حل نكاح أربع سواها وهذا خبر غير ملزم إياه شيئا فلا يعتبر فيه العدالة * وإن لم يكن المخبر ثقة وفي أكبر رأيه أنه صادق فكذلك وإن كان في أكبر رأيه أنه كاذب لم يتزوج أكثر من ثلاث لأن خبر الفاسق لا يعارض أكبر الرأي * ولو أن مخبرا أخبر المرأة أن زوجها قد ارتد ذكر في الاستحسان من الأصل أن لها أن تتزوج بزوج آخر وسوى بين الرجل والمرأة * وذكر في السير الكبير ليس لها أن تتزوج بزوج آخر حتى يشهد عندها رجلان أو رجل وامرأتان لأن ردة الزوج أغلظ من ردة المرأة * وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى الصحيح أن لها أن تتزوج آخر لأن المقصود من هذا الخبر وقوع الفرقة بين الزوجين * وفي هذا لا فرق بين ردة الزوج والمرأة قال ألا ترى أن الفرقة تثبت بشهادة رجل وامرأتين وإن كان لا يثبت به القتل * وكذا لو كانت المرأة صغيرة فأخبره إنسان أنها ارتضعت من أمه أو أخته صح هذا الخبر * ولو أخبره إنسان أنه تزوجها وهي مرتدة يوم تزوجها أو كانت أخته من الرضاع والمخبر ثقة لا ينبغي له أن يتزوج أربعا سواها ما لم يشهد بذلك عنده شاهدا عدل لأنه أخبر بفساد عقد كان محكوما بصحته ظاهرا فلا يبطل ذلك بخبر الواحد وهذا خبر مستنكر وهو مباشرة النكاح بصفة الفساد * بخلاف الأول فإن ثمة أخبر بأمر عارض غير مستنكر فإن شهد عنده شاهدا عدل بذلك وسعه أن يتزوج أربعا سواها * وكذا لو أن امرأة غاب عنها زوجها فأخبرها مسلم ثقة أن زوجها طلقها ثلاثا أو مات عنها أو كان غير ثقة فأتاها بكتاب من زوجها بالطلاق وهي لا تدري أن الكتاب كتاب زوجها أم لا إلا أن أكبر رأيها أنه حق لا بأس بأن تعتد وتتزوج * ولو أتاها رجل وأخبرها أن أصل نكاحها كان فاسدا وأن زوجها كان أخا لها من الرضاع أو كان مرتدا لم يسعها أن تتزوج بقوله وإن كان ثقة لأنه أخبرها بخبر مستنكر * وكذلك امرأة قالت لرجل طلقني زوجي ثلاثا وانقضت عدتي ووقع في قلبه أنها صادقة لا بأس للرجل أن يتزوجها بقولها * وكذا المطلقة ثلاثا إذا قالت لزوجها انقضت عدتي وتزوجت بزوج آخر ودخل بي الزوج ثم طلقني وانقضت عدتي وكان ذلك في مدة يتصور فيها نكاح الزوج الثاني وانقضاء العدتين فإنه لا بأس لزوجها الأول أن يتزوجها إذا كانت ثقة عنده أو وقع في قلبه أنها صادقة لأنها أخبرت بأمر محتمل وما أخبرت بأمر مستنكر * قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى في هذا بيان أنها لو قالت لزوجها الأول حللت لك لا يحل له أن يتزوجها ما لم يستفسرها لأن العلماء اختلفوا في أنها هل تحل للزوج بمجرد النكاح الثاني * قال بعضهم تحل ولا يكون له أن يعتمد على قولها حللت لك حتى تفسر * جارية صغيرة لا تعبر عن نفسها في يد رجل يدعي الرجل أنها له فلما كبرت لقيها رجل في بلد آخر فقالت أنا حرة الأصل لا يسعه أن يتزوجها لأنه علم أنها كانت مملوكة لذي اليد لأن اليد فيمن لا يعبر عن نفسه دليل الملك فلا يقبل قولها * ولو قالت كنت أمة له فأعتقني فإن كانت ثقة عنده أو وقع في قلبه أنها صادقة لا بأس بأن يتزوجها لأنها أخبرت بأمر محتمل لم يعلم هو بخلاف ذلك * وكذا المرأة الحرة إذا تزوجت رجلا ثم قالت لرجل آخر إن نكاحي كان فاسدا أو كان زوجها على غير الإسلام لا يسع لهذا أن يقبل قولها ولا أن يتزوجها لأنها أخبرت بأمر مستنكر * ولو قالت طلقني بعد النكاح أو ارتد عن الإسلام وسعه أن يعتمد على خبرها ويتزوجها لأنها أخبرت بأمر محتمل فإذا أخبرت ببطلان النكاح الأول لا يقبل قولها * وإن أخبرت بالحرمة بأمر عارض بعد النكاح من رضاع طارئ أو غير ذلك فإن كانت ثقة عنده أو لم تكن عنده ثقة ووقع في قلبه أنها صادقة فلا بأس أن يتزوجها والله أعلم

Page 258