وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة إلا قول عمر ﵁ في صلاة التراويح: "نعمت البدعة هذه"، وقولوا - أيضا - إنها أحدثت أشياء لم يستنكرها السلف؛ مثل جمع القرآن في كتاب واحد، وكتابة الحديث وتدوينه.
والجواب عن ذلك: أن هذه الأمور لها أصل في الشرع؛ فليست محدثة، وقوله عمر: "نعمت البدعة"؛ يريد البدعة للغوية لا الشرعية؛ فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه؛ إذا بدعة؛ فهو بدعة لغة لا شرعا؛ لأن البدعة شرعا ما ليس له أصل في الشرع يرجع إليه.
وجمع القرآن في كتاب واحد له أصل في الشرع؛ لأن النبي ﷺ كأن يأمر بكتابة القرآن، لكن كان مكتوبا متفرقا، فجمعه الصحابة ﵃ في مصحف واحد حفظا له.
والتراويح قد صلاها النبي ﷺ بأصحابه ليالي، وتخلف عنهم في الأخير، خشية أن تفرض عليهم، واستمر الصحابة ﵃ يصلونها أوزاعا متفرقين في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته، إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب ﵁ خلف إمام واحد، كما كانوا خلف النبي ﷺ، وليس هذا بدعة في الدين.
وكتابة الحديث - أيضا - لها أصل في الشرع؛ فقد أمر النبي ﷺ بكتابة بعض الأحاديث لبعض أصحابه لما طلب منه ذلك، وكان المحذر من كتابته بصفة عامة في عهده ﷺ خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلما توفي ﷺ؛ انتفى هذا المحذور؛ لأن القرآن قد تكامل وضبط قبل وفاته ﷺ، فدون المسلمون السنة بعد ذلك؛ حفظا لها من الضياع؛ فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا؛ حيث حفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم ﵊ من الضياع وعبث العابثين