303

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

وإذا تضمن العدل بين الناس، مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز، بل واجب.

فأما القسم الأول فمثل ما روى أنس قال: "غلا السعر على عهد النبي ﷺ، فقالوا يا رسول الله: لو سعرت لنا فقال: "إن الله هو القابض الرازق الباسط المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا يطالبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم، ولا مال" رواه أبو داوود والترمذي وصححه، فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء، وإما لكثرة الخلق، فهذا إلى الله، فالزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق...

((وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، والتسعير هنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به))(١)))

- ١٩١ - وهكذا زي الفقه الحنبلي خصبا؛ إذ أخذ بالمصالح، ونهج فيه الإمام أحمد منهج السلف، وسار على مثل طريقهم، ولم يعتبر كل مصلحة صالحة للأخذ، بل كانوا في ذلك كالمالكية يقيدون المصلحة المقيدة بقيود شرعية.

فقد اشترط الحنابلة - ١ - أن تكون المصلحة متفقة مع مقاصد الشارع الإسلامي، بأن تكون ملائمة للمصلحة التي أخذ بها السلف الصالح رضي الله عنهم، وبالأولى لا تنافي أصلا من أصوله، ولا دليلا من أدلته، بل تكون متفقة مع المصالح التي قصد الشارع إلى تحصيلها، بأن تكون من جنسها، وليست غريبة عنها، وإن لم يشهد لها دليل خاص

٢ - ويشترط أن تكون معقولة في ذاتها جرت على المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على أهل العقول تلقوها بالقبول

٣ - وأن يكون بالأخذ بها رفع حرج لازم في الدين فلو لم يؤخذ بالمصلحة في موضعها لكان الناس في حرج، والله تعالى يقول: "ما جعل عليكم في الدين من حرج(٢)"

(١) الطرق الحكمية ص ٢٢٤ (٢) الاعتصام للشاطبي ٣/٢ ص ٣٠٧

302