Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
ولقد سار أصحاب أحمد وتلاميذهم في باب السياسة الشرعية إلى مدى بعيد، وأفتوا فتاوى كثيرة كان أساسها مصلحة الجماعة معتمدين على أن المصلحة أصل أساسي لإقامة الشريعة العادلة، والحكم العادل، وحماية الجماعة الإسلامية، ومن ذلك قتل الجاسوس على المسلمين إذا اقتضت المصلحة قتله، وقتل من يدعو إلى بدعة يخشى على الجماعة الإسلامية منها، وليس من مصلحة المسلمين بقاؤه ... الخ ...
١٨٨- ولقد أفتى أصحاب أحمد بجواز إجبار المالك على أن يسكن في بيته من لا مأوى له إذا كان فيه فراغ يتسع له، ولقد قال ابن القيم في ذلك: ((إذا قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان لا يجدون سواه، أو النزول في خان ملوك ... وجب على صاحبه بذله بلا نزاع، لكن هل له أن يأخذ أجراً؟ فيه قولان للعلماء، وهما وجهان لأصحاب أحمد، ومن جوز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل)) (١)
وهذا بلا شك الأساس فيه المصلحة، ودفع المضرة، إذ يسكن المحتاجون من غير ضرر يقع بالمالك إلا منع المغالاة في الأجرة، وذلك ليس فيه ظلم يدفع.
١٨٩- وما أفتى به أصحاب أحمد أن الناس إن احتاجوا إلى أرباب الصناعات كالفلاحين وغيرهم أجبروا عليها بأجرة المثل، وليس لهم أن يمتنعوا، ويعاقبون إذا لم يفعلوا، فإنه لا تتم مصلحة إلا بذلك، ولقد افترضوا للمصلحة الواجبة الرعاية أن تعلم الصناعات فرض كفاية لحاجة الناس إليها)) (٢)
١٩٠- ومن الفتاوى التي كان أساسها المصلحة العامة والعدل إفتاء بعض متأخري الحنابلة بجواز التسعير أي وضع حد أعلى لثمن الأشياء، إذا كان الناس في حاجة إلى ذلك، وكان الناس في حرج من دونه، وقد خالفوا ذلك عموم نهي النبي ﷺ عن التسعير، وقرروا أن نهي النبي عن التسعير خاص ببعض الأحوال، ولقد قال في ذلك ابن القيم:
((التسعير منه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم بما أباح الله تعالى لهم، فهو حرام
(١) الكتاب المذكور ص ٢٣٩
(٢) الكتاب المذكور ص ٢٢٧
301