301

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

ذلك الرجل الأثري المستمسك بما عليه السلف يأخذ بفتاويهم المنصوص عليها فهو إذا لم يجد نصاً لهم أخذ بمنهاجهم، واتبع مثل طريقهم، حتى يكون دائماً مستضيئاً بمشكلاتهم، وقد أخذوا بالمصلحة سبيلاً من سبل الفتوى، فحق عليه أن يأخذ بها، وقد أخذ بها في كثير من المسائل، ولنضرب لك بعض الأمثلة.

١٨٧- فقد أخذ بها رحمه الله في السياسة الشرعية بشكل عام، وهي ما ينهجه الإمام لإصلاح الناس، وحملهم على ما فيه مصلحة، وإبعادهم عما فيه مفسدة، وقرر رضي الله عنه في ذلك عقوبات في الأخذ بها إصلاح للناس، وإن لم يرد فيها نصوص لأن العقوبات تكون للناس بمقدار ما يحدثون من جرائم، وكل ما يدفع عن الناس شر هذه الجرائم، فهو مشروع ما لم يكن منهياً عنه بصريح النصوص، وفي مثل هذه الأحوال.

وإن فتاوى أحمد التي هي من قبيل السياسة الشرعية كثيرة منها نفي أهل الفساد والدعارة إلى بلد يؤمن فيه من شرهم، ومنها تغليظ الحد على شرب الخمر في نهار رمضان، ومنها عقوبة من طعن في الصحابة، وقرر أن ذلك واجب، وليس للسلطان أن يعفو عنه، بل يعاقبه، ويستتيبه، فإن تاب، وإلا كرر العقوبة(١).

ولقد تبع أحمد في ذلك الحنابلة، فأكثروا من الإفتاء في باب السياسة الشرعية - بكل ما فيه مصلحة للرعية، وإقامة للحق والعدل، ورفع الفساد والشر.

ولقد ناظر شافعي أبا الوفاء علي بن عقيل بن محمد، فقال الشافعي «لا سياسة إلا ما وافق الشرع»، فقال ابن عقيل الحنبلي: «السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس، أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط، وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف، فإنه كان رأياً اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة وتحريق على الزنادقة لكفى»(٢)

(١) إعلام الموقعين ج ٤ ص ٣١٣

(٢) الطرق الحكمية ص ١٣

300