Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
قتله، لأن المصلحة تقتضي ذلك، إذ لا نص في الموضوع، ووجه المصلحة أن القتيل معصوم، وقد قتل عمداً، فأهداره داع إلى خرم أصل القصاص، واتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى القتل، إذا علم أنه لا قصاص عند الاشتراك، فإن قيل هذا أمر بدعي، وهو قتل غير القاتل؛ لأن كل واحد لا يعد قاتلاً بمفرده، قيل في رد ذلك: إن القاتل هو الجماعة من حيث الاجتماع، فقتلها كلها يشبه قتل القاتل وحده إذ القتل مضاف إليها، كإضافته إلى الشخص الواحد، فنزل الأشخاص المجتمعون لغرض القتل منزلة الشخص الواحد، وقد دعت إلى هذا مصلحة؛ وفيه حقن للدماء وصيانة للمجتمع(١)
و - ولقد نفى عمر بن الخطاب نصر بن حجاج، وكان شاباً جميلاً نفاه من المدينة، لأنه سمع بعض النساء يتشبب به، فوجد الفاروق رضي الله عنه(٢) أن في إبعاده عن المدينة مصلحة عامة، وإن كان فيه ضرر عليه. ولعله رضي الله عنه لاحظ في سلوكه ما من شأنه أن يغري النساء، ويرضى هو بهذا الإغراء، فنفاه عقوبة له، وليعتبر غيره.
ز - ولقد منع عمر رضي الله عنه بيع أمهات الأولاد، لأنه رأى في ذلك مصلحة هي المحافظة على الولد، وتسهيل إنهاء الاسترقاق؛ ولأنه إذا ورثها ولدها عتقت عليه، ولقد وافقه كثرة من الصحابة على ذلك، ومنهم علي رضي الله عنه ثم بدا له بيعهن، وقال لقاضيه إن عدم البيع كان رأياً اتفق عليه هو وعمر، فقال له القاضي: «يا أمير المؤمنين رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك»، فقال: ((اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الخلاف))(٣)
١٨٦ - رأى أحمد رضي الله عنه فتاوى الصحابة التي بنيت على المصالح، وهي كثيرة جداً، ولعل أكثر فتاويهم بالرأي كان النظر فيها إلى المصلحة، وإذا كان
(٢) هذه الأمثلة من الاعتصام للشاطبي = ٢
(٣) راجع الطرق الحكمية ص ١٢
(٣) الطرق الحكمية ص ١٧
299