Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
من الكتاب والسنة وأقوال السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه وتدبره، وهذا مما يجب القطع به، وليس معنا قاطع على أن الراسخين في العلم لا يعلمون تفسير المتشابه، فإن السلف قد قال كثير منهم أنهم يعلمون تأويله، منهم مجاهد مع جلالة قدره، والربيع بن أنس، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ونقلوا ذلك عن ابن عباس، وأنه قال أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله، ويقول أحمد فيما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيها من متشابه القرآن، وتأولته على غير تأويله وفي قوله عن الجهمية: ((إنها تأولت ثلاث آيات من المتشابه، ثم تكلم على معناها - دليل على أن المتشابه عنده تعرف العلماء معناه، وأن المذموم تأويله على غير تأويله، فأما تفسيره المطابق لمعناه فهذا محمود ليس بمذموم، وهذا يقتضي أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل الصحيح للمتشابه عنده، وهو التفسير في لغة السلف؛ ولهذا لم يقل أحمد ولا غيره إن في القرآن آيات لا يعرف الرسول وغيره معناها، بل يتلون لفظاً لا يعرفون معناه(١))) ثم يبين أن ذلك اختيار كثير من أهل السنة الملتزمين لأقوال السلف ومذهبهم، ثم يبين أن بعض العلماء نقل عن بعض السلف غير ذلك، وأنهم مفوضون متوقفون قائلين ((إنه لا يعلم تأويله إلا الله سبحانه وتعالى؛ ويحتجون بأن الله سبحانه وتعالى قرن ابتغاء الفتنة بابتغاء تأويله، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم ذم مبتغى المتشابه، وأنه قال: ((إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم)) ولقد ضرب عمر بن الخطاب من سأله عن المتشابه.
ولكن ابن تيمية يذكر أن الذين قالوا إن السلف كانوا يفهمون آيات الصفات يقولون إن ذم السؤال عن المتشابه؛ لأن السائل يبتغي الفتنة، فالذم للقصد لا لأصل السؤال؛ والنبي طلب الحذر من يتبع المتشابه؛ لأن من يتبعه ولا يطلب سواه يكون تتبعه دليل قصده السيء، فيجب الحذر منه؛ أما السؤال للاستفهام لا للإشكال، فلم يعرف أنه مذموم ولا منهي عنه؛ وما كان عمر يضرب من يستفهم
(١) تفسير سورة الإخلاص.
281