281

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

الرواية تقتضي التفويض عند الجمهور، وألا يخوض الناس فيها ولا يحاولوا إدراكها وأنه لا يحاول التأويل إلا الذين يتبعون الزيغ؛ والرواية الأخرى هي الوقف على كلمة ((والراسخون)) وهذا يقتضي أن يعلم التأويل الراسخون في العلم.

٢٨٩- وإذا كان الأمر كذلك، فقد اختلف العلماء في موقف السلف أكانوا مفوضين لا يخوضون، لكيلا يقعوا في الفتنة أم كانوا مؤولين ومفسرين وطلبوا الحق ومعهم أدواته، وقد أمنوا الزيغ، لأنهم طلبوا العلم من وجهه، ودخلوا إليه من بابه؛ فلا يقعون في الضلال!. ثم ما معنى التأويل أهو التفسير، أم المراد معرفة المآل والنتيجة، وقد أدلى ابن تيمية بدلوه، وخاض فيه مع الخائضين، بل رأيه هناك من رأيه هنا.

ويخوض ابن تيمية في الموضوع على أساس وجهة نظره في رأي السلف، وهو أنهم لم يتوقفوا، بل أخذوا العبارات بظواهرها في الجملة، غير باحثين عن الكيفية، وأن اتباع الكيفية زيغ؛ ولذا هو يقرر أن الاشتباه في آيات الصفات من ناحية العقول، لا من ذاتها، لأنها موافقة لكل معقول؛ والضلال يأتي من تيه العقول في محاولة معرفة الكيف والحقيقة؛ لا من حيث الظاهر الواضح البين، وإذن فالمتشابه نسبي بالنسبة للعقول التي تتحير وتتيه، لا بالنسبة للقلوب التي تطلب الحق من ينبوعه، وليس من السائغ أن يفسر المتشابه بأنه غير المفهوم للناس؛ لأن ذلك يقتضي أن الصحابة لم يفهموه وفوضوه، ولازم ذلك أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً لم يفهمه، وذلك غير معقول في ذاته؛ ولذلك يقول رضي الله عنه:

((المقصود هنا أنه لا يجوز أن يكون الله تعالى قد أنزل كلاماً لا معنى له؛ ولا يجوز أن الرسول صلى الله عليه وسلم وجميع الأمة لا يعلمون معناه كما يقول ذلك من يقول من المتأخرين، وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ ... وإذا دار الأمر بين القول بأن الرسول كان يعلم معنى المتشابه من القرآن وبين أن يقال الراسخون في العلم لا يعلمون كان هذا الإثبات خيراً من ذلك النفي، فإن معنا الدلائل الكثيرة

280