350

Irshād al-Fuḥūl ilā Taḥqīq al-Ḥaqq min ʿIlm al-Uṣūl

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

Editor

الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا

Publisher

دار الكتاب العربي

Edition

الطبعة الأولى ١٤١٩هـ

Publication Year

١٩٩٩م

تَخَلَّفَ مُرَادُهُ عَنْ إِرَادَتِهِ فَعَلِمَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ، إِلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِنْ لَفْظِ الْأَلْفِ.
وَأَجَابَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: بِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ جَاءَنِي عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً، بِمَنْزِلَةِ سَبْعَةٍ مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ، وَأَنَّهُمَا كَاسْمَيْنِ وُضِعَا لِمُسَمًّى وَاحِدٍ أَحَدُهُمَا مُفْرَدٌ، وَالْآخَرُ مُرَكَّبٌ وَجَرَى صَاحِبُ "الْمَحْصُولِ" عَلَى هَذَا، وَاخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَاسْتَنْكَرَ قَوْلَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ إِنَّهُ مُحَالٌ لَا يَعْتَقِدُهُ لَبِيبٌ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ خَارِجٌ عَنْ قَانُونِ اللُّغَةِ؛ إِذْ لَمْ يُعْهَدْ فِيهَا لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ، وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ، لِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ دَلَالَةَ الِاسْتِثْنَاءِ بِطَرِيقِ الْإِخْرَاجِ.
وَأَجَابَ آخَرُونَ: بِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُرَادٌ بِتَمَامِهِ، ثُمَّ أُخْرِجَ الْمُسْتَثْنَى، ثُمَّ حُكِمَ بِالْإِسْنَادِ بَعْدَهُ تَقْدِيرًا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ ذِكْرًا، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِكَ عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً: عَشَرَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ، ثُمَّ أَخْرَجْتَ ثَلَاثَةً، ثُمَّ أُسْنِدَ إِلَى الْبَاقِي تَقْدِيرًا، فَالْمُرَادُ بِالْإِسْنَادِ مَا يَبْقَى بَعْدَ الْإِخْرَاجِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَرَجَّحَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْجَوَابِ، وَالْجَوَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، بِأَنَّ الْأَفْرَادَ فِي غَيْرِ هَذَا مُرَادَةٌ بِكَمَالِهَا، وَفِي الْجَوَابِ الَّذِي قَبْلَهُ هِيَ مُرَادَةٌ بِكَمَالِهَا، وَالِاسْتِثْنَاءُ إِنَّمَا هو لتفسير النسبة لا لِلدَّلَالَةِ عَلَى عَدَمِ الْمُرَادِ.
وَأَيْضًا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَجْوِبَةِ، أَنَّ جَوَابَ الْجُمْهُورِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ تَخْصِيصٌ، وَعَلَى الْجَوَابِ الثَّانِي لَيْسَتْ بِتَخْصِيصٍ، وَعَلَى الثَّالِثِ مُحْتَمَلَةٌ. فَقِيلَ الْأَظْهَرُ أَنَّهَا تَخْصِيصٌ، وَقِيلَ لَيْسَتْ بِتَخْصِيصٍ.
قَالَ "الْمَازِرِيُّ"*: أصل هذه الخلاف في الاسثناء مِنَ الْعَدَدِ هَلْ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ كَقَرِينَةٍ غَيَّرَتْ وَضْعَ الصِّيغَةِ أَوْ لَمْ تُغَيِّرْهُ، وَإِنَّمَا كَشَفَتْ عَنِ الْمُرَادِ بِهَا، فَمَنْ جَعَلَ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ كَالنُّصُوصِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ سِوَى مَا يُفْهَمُ مِنْهَا، قَالَ بِالْأَوَّلِ، وَيُنْزِلُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَدٍ مَا، وَيَكُونُ الْمُسْتَثْنَى كَجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لِمَجْمُوعٍ هُوَ الدَّالُّ عَلَى الْعَدَدِ الْمَنْفِي، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ كَالنُّصُوصِ فَإِنَّ الْعَشَرَةَ اسْتُعْمِلَتْ فِي عَشَرَةٍ نَاقِصَةٍ جَعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ قَرِينَةً لَفْظِيَّةً دَلَّتْ عَلَى الْمُرَادِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَمَا دَلَّ قَوْلُهُ: "لَا تَقْتُلُوا الرُّهْبَانَ" عَلَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِين﴾ ١.
قَالَ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّكَ اسْتَعْمَلْتَ الْعَشَرَةَ فِي سَبْعَةٍ مَجَازًا، دل عليه قوله:

* في "أ": الماوردي.

١ جزء من الآية "٥" من سورة التوبة.

1 / 362