Irshād al-Fuḥūl ilā Taḥqīq al-Ḥaqq min ʿIlm al-Uṣūl
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول
Editor
الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا
Publisher
دار الكتاب العربي
Edition
الطبعة الأولى ١٤١٩هـ
Publication Year
١٩٩٩م
إِلَّا ثَلَاثَةً، وَالْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عِنْدَهُمَا أَنَّ الْمَجْمُوعَ يُسْتَعْمَلُ فِي السَّبْعَةِ، وَابْنُ الْحَاجِبِ عِنْدَهُ أَنَّكَ تَصَوَّرْتَ مَاهِيَّةَ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ حَذَفْتَ مِنْهَا ثَلَاثَةً، ثُمَّ حَكَمْتَ بِالسَّبْعَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ الْبَاقِي مِنْ عَشَرَةٍ، أُخْرِجَ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ، أَوْ عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً لَهُ عِنْدِي، وَكُلُّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى شَيْءٍ بَدَأَ بِاسْتِحْضَارِهِ فِي ذِهْنِهِ، فَهَذَا الْقَائِلُ بَدَأَ بِاسْتِحْضَارِ الْعَشَرَةِ فِي ذِهْنِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَ الثَّلَاثَةَ، ثُمَّ حكم، كما أنك تخرج عشرة دراهم من الْكِيسِ، ثُمَّ تَرُدُّ مِنْهَا إِلَيْهِ ثَلَاثَةً ثُمَّ تَهَبُ الْبَاقِيَ، وَهِيَ السَّبْعَةُ. انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ إِنَّمَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَاهُ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ: فَالْمَسْأَلَةُ قَلِيلَةُ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ قَدْ تَقَرَّرَ وُقُوعُهُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، تَقَرُّرًا مَقْطُوعًا بِهِ، لَا يَتَيَسَّرُ لِمُنْكِرٍ أَنْ يُنْكِرَهُ، وَتَقَرَّرَ أَنَّ مَا بَعْدَ آلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ خَارِجٌ عَنِ الْحُكْمِ لِمَا قَبْلَهَا بِلَا خِلَافٍ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ إِلَّا فِي صِحَّةِ تَوْجِيهِ مَا تَقَرَّرَ وُقُوعُهُ وَثَبَتَ اسْتِعْمَالُهُ.
وَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَقَامِ يَكْفِي فِي ذَلِكَ، وَيَنْدَفِعُ بِهِ تَشْكِيكُ مَنْ شَكَّ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْمَقْطُوعِ بِهِ، فَلَا نُطَوِّلُ بِاسْتِيفَاءِ مَا قِيلَ فِي أَدِلَّةِ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ وَمَا قيل عليها.
المسألة الثامنة: شُرُوطِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ
يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ شُرُوطٌ.
الْأَوَّلُ:
الِاتِّصَالُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَفْظًا: بِأَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ وَاحِدًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا هُوَ فِي حُكْمِ الِاتِّصَالِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقْطَعَهُ لِعُذْرٍ كَسُعَالٍ أَوْ عُطَاسٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، مِمَّا لَا يُعَدُّ فَاصِلًا بَيْنَ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ، فَإِنِ انْفَصَلَ لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ لَغْوًا وَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": الِاسْتِثْنَاءُ إِخْرَاجُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ عَنِ الْجُمْلَةِ بِلَفْظِ إلا أو أُقِيمَ مَقَامَهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ: أَنَّ الَّذِي يُخْرِجُ بَعْضَ الْجُمْلَةِ عَنْهَا، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَوِيًا، كَدَلَالَةِ الْعَقْلِ، وَالْقِيَاسِ، وَهَذَا خَارِجٌ عَنْ هَذَا التَّعْرِيفِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَفْظِيًا، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا، فَيَكُونُ مُسْتَقِلًّا بِالدَّلَالَةِ، وَإِلَّا كَانَ لَغْوًا، وَهَذَا أَيْضًا خَارِجٌ عَنِ الْحَدِّ، أَوْ مُتَّصِلًا، وَهُوَ إِمَّا لِلتَّقْيِيدِ بِالصِّفَةِ أَوِ الشَّرْطِ أَوِ الْغَايَةِ، أَوِ الِاسْتِثْنَاءِ.
أَمَّا التَّقْيِيدُ بِالصِّفَةِ، فَالَّذِي خَرَجَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ لَفْظُ التَّقْيِيدِ بِالصِّفَةِ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ أَكْرَمَنِي بَنُو تَمِيمٍ الطِّوَالُ خَرَجَ مِنْهُمُ الْقِصَارُ، وَلَفْظُ الطِّوَالِ لَا يَتَنَاوَلُ الْقِصَارَ، بِخِلَافِ قَوْلِنَا أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَّا زَيْدًا، فَإِنَّ الْخَارِجَ وَهُوَ زَيْدٌ تَتَنَاوَلُهُ صِيغَةُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهَذَا هُوَ الِاحْتِرَازُ عَنِ التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ. وَأَمَّا التَّقْيِيدُ بِالْغَايَةِ، فَالْغَايَةُ قَدْ تَكُونُ دَاخِلَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَى الْمَرَافِق﴾ ١ بخلاف
١ جزء من الآية "٦" من سورة المائدة.
1 / 363