Durūs lil-Shaykh Abī Isḥāq al-Ḥuwaynī
دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني
Regions
Egypt
فائدة التصدق على أهل المعاصي
وهناك أمر آخر، وهو: أن مهمتك أن تخرج الصدقة من عندك، وليست مهمتك أن تصل الصدقة إلى موضعها المرجو، فأنت مثلًا تنظر إلى بعض الجيران وهم يدخنون مثلًا، أو لا يهتمون بالأحكام الشرعية، وبعضهم يقصر في الصلاة، ولكنه فقير، فتقول: هذا الرجل لا يستحق الصدقة، سوف أعطيها لرجل ملتزم أفضل منه.
قولك هذا صحيح، ونحن لا ننازعك فيه، ولكن نلفت نظرك إلى شيءٍ هام، وهو: أنك إن أعطيت بعض أهل المعاصي مثل هذه الصدقات فقد يرق قلبه، بالذات -مثلًا- الإخوة الملتحين، فإن كثيرًا منهم متهم بغير جريرة، فبعض الناس يأخذ عنه فكرة أنه متشدد، ومتزمت، وأنه يكفر المجتمع، وهذا كله كذب؛ بسبب الدعاية المغرضة لأجهزة الإعلام الكاذبة الفاجرة، التي نسأل الله ﵎ أن يعامل القائمين عليها بعدله.
فهؤلاء أسهموا بدورٍ فعالٍ جدًا في تشويه صورة هؤلاء، وللإنصاف نقول: إن بعض هؤلاء الملتحين يسيئون إلى الإسلام ببعض الأحكام التي يتبنونها بحسن نية ولكن بجهل، وبعضهم يغلظ في النصيحة إغلاظًا شديدًا حتى في غير موضعها؛ فيسبب نفرة في القلوب.
وهناك عوارض كثيرة مجتمعة ليس المجال الآن مجال معالجتها وإفرادها بالذكر، ولكن نقول: إن هناك بعض العوام يخافون من الرجل الملتزم، فأنت إذا أعطيت ذلك الرجل هذه الصدقة فلعل قلبه يرق.
وهناك قصة أخرى معروفة في الإسكندرية: فقد كان هناك رجل يؤذي السنيين -أو الانتساب إلى السنة شرف؛ وقد رأيت بعض الناس وشخص يناديه: يا سني، فاعتبرها سبة، والتفت إليه وكاد أن يقتله! فالانتساب إلى السنة شرف عظيم، بغض النظر عن هل يقولها سخريةً أو يقولها بجد- فكان يكرههم كثيرًا، وبعد مدة حدث عنده حادث ولادة، فحصل لامرأته نزيف حاد واحتاجوا إلى دم، ولا يوجد دم في المستشفى، وهو قد تعرض لأهل السنة بالأذى كثيرًا، حتى صار معروفًا لديهم من شدة ما يؤذيهم بلسانه، فقال له بعض الناس: لن يعطيك الدم إلا السنيون، فأنصحك بالذهاب إلى المسجد.
ونحن لا نرى التبرع بالدم إلا في مساجدهم، ولن تجده في مساجد الأوقاف؛ لأنهم يريدون إذنًا رسميًا من وزير الأوقاف حتى يطلبوا التبرع بالدم في مساجدهم.
فقال الرجل: لو تكلمت لسخروا مني؛ لأنني أتعرض لهم بالأذى.
فقال له: اذهب.
فذهب الرجل على استحياء، وكان ذلك في صلاة الفجر، فقام وقال: إن امرأتي جاء لها نزيف حاد، فهل يعطيني أحد دمًا لننقذها؟ فقام كل من كان في المسجد وذهبوا يتسابقون فماذا كانت النتيجة؟ لقد أصبح هذا الرجل من أشد المتعصبين الآن لهؤلاء! انظر إلى الإحسان! ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، فإياك أن تتصور أنك تقدم معروفًا ولا تلقاه قد تقابل ببعض الجحود، لكن لابد أن ترى هذه الثمرة يومًا ما، ولو أن هذا الرجل ذهب وقال: أريد دمًا.
فقالوا له: بعد هذا السب وهذا الأذى تريد دمًا؟! فكيف سيكون حال الرجل؟ سيتحول إلى مقاتل شرس ضد هؤلاء.
إننا نفتقر إلى هذه النماذج للدعوة، فانظر إلى الإحسان إلى أهل المعاصي كيف يحول قلوبهم بإذن الله، فلا تقل: لن أعطي لأحد من أهل المعاصي، بل إن المهتدين أولى أنا معك، لكن ألا يسرك أن تضم إلى ركب المؤمنين رجلًا آخر؟! هب أنك أعطيت هذا الرجل وظل على عناده، وأعطيته وظل على عناده، فلا تيأس، وانظر إلى حال نفسك: فقد كنت يومًا ما من المخرفين عن طريق الإيمان، فكم من رجالٍ هم الآن صفوة الرجال كانوا من ألد أعداء هذه الدعوة.
وانظر إلى جيل الصحابة حين كانوا كفرة في الجاهلية كـ عمر بن الخطاب مثلًا، كيف حول الله ﷿ قلوبهم بعد ذلك! ولا تتعجل النتائج، واتل قول الله ﷿: ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤]، ألم تكن من قبل كهذا الرجل فمن الله عليك وهداك إلى الإيمان؟! روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (قال رجلٌ: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج في الليل يخفي صدقته، فوجد امرأة في الطريق فأعطاها الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تُصدِّق الليلة على زانية! فبلغ الرجل هذا القول، فقال: الحمد لله على زانية -كأنه رأى أنه لا أجر له طالما أنها لم تقع في موقعها الصحيح، وكان يريد أن تقع في يد مسكينٍ فقير حتى يؤجر، واستاء الرجل وأحس أن صدقته لم تقبل- لأتصدقن الليلة بصدقة -سأتصدق مرةً أخرى لعلها تقع في يد من يستحقها- فوجد رجلًا في الظلام فوضع الصدقة في يده، فأصبح الناس يقولون: تُصدق الليلة على سارق! فقال الرجل: الحمد لله على سارق، لأتصدقن الليلة بصدقة -فرأى أن الصدقة لم تقبل ولم تقع في موقعها في المرة الثانية، فأراد أن يتصدق في المرة الثالثة عساها أن تقع في يد من يستحقها- فخرج فرأى رجلًا في الظلام فأعطاه الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تُصدق الليلة على غني -ليس محتاجًا للصدقة، إذًا للمرة الثالثة لم تقع الصدقة في موقعها الذي يريده- فجاءه ملكٌ في صورة رجل فقال له: أما صدقتك فقبلت، أما الزانية فلعلها تتوب، وأما السارق فلعله يستعف، وأما الغني فلعله ينظر فيخرج الذي عنده)، انظر إلى فائدة التصدق على أهل المعاصي! وكم من النساء انحرفت بسبب أنها ذهبت إلى بعض الرجال ليقرضها فلم تجد، فتتاجر بعرضها، ونحن نحفظ عشرات القصص في ذلك، وكثيرٌ منكم عنده في جعبته الكثير! إن بداية الانحراف لكثير من النساء سببه أنها لم تجد أحدًا يعطيها، فتاجرت بعرضها، وتمرست على ذلك، ومع ذلك تسمعها تقول: أتمنى أن أتوب.
فالمتاجرة بالعرض شيء سخيف جدًا، وبشع للغاية، والمرأة البغي لا تشعر بأي متعة في هذا أي متعة تستمتعها المرأة؟! تتمنى أن تتوب، لكن من يكفلها؟! فالصدقة والزكاة طهرة للعبد، قال تعالى:: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، وقد قاتل أبو بكر الصديق الذين منعوا الزكاة، وسموهم بالمرتدين لأنهم منعوها.
إن ضياع بيت مال المسلمين سبب في وجود كل هؤلاء المجرمين في المجتمع، ولو أن أي رجل عاطل لا يجد عملًا يعطى جزءًا من المال -ولو قرضًا- من بيت المال، ليستعين به في حياته؛ فلن يسلك طريق الإجرام أبدًا.
فهذه المرأة أو هذا الرجل الذي يسرق لعله ما بدأ طريق الإجرام إلا بسبب أنه لم يجد يدًا حانية تعطيه.
فانظر إلى قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين انحدرت عليهم الصخرة، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي ابنة عم، وكانت من أحب الناس إليّ، فألمت بها سنة -أي: مجاعة وحاجة- فجاءت تطلب مالًا، فراودتها عن نفسها فأبت، ولكن اشتد عليها الكرب، فرجعت إليه تضحي بعرضها في سبيل أن تؤكل أولادها -هذا مثل واقع، امتنعت في السابق رجاء أن تجد يدًا رحيمة، ولكنها لم تجد، فماذا تفعل؟ تموت هي وأولادها؟ لا، فتذهب تضحي بعرضها لهذا الرجل وتأخذ منه مالًا- قال: فلما قعدت منها مقعد الرجل من امرأته، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه -إلا بالزواج الشرعي- فقمت عنها وهي أحب الناس إلي.
فهذا الحديث الصحيح يدل على أن كثيرًا من أهل المعاصي لم يبدءوا في هذا الإجرام إلا بسبب عدم وجود اليد الحانية.
فإياك أن تحتقر أهل المعاصي، لا تشدد عليهم، وارحمهم، وأنت إنما تفعل ذلك رجاء وجه الله ﵎، وهذا الحديث حجة في هذا الباب: فيجوز أن تعطي الزكاة -فضلًا عن الصدقة- لأهل المعاصي، وكم يحصل الإنسان من الأجر إذا سلك طريق الصدقة مع أنها لا تضره! فإذا جاء إليك السائل فلا ترده، وأعطه من مال الله الذي أعطاك، فإن بعض الناس قد يرد السائل وتجده في المقابل قد ينفق (مائة جنيه) في وجبة غداء، ويعزم جماعة ويقول: هذا من كرم الضيافة، وهذا من أدب الإسلام مع أنه بخل أن يخرج عشرة قروش! هذه طبيعة في بني آدم؛ ولذلك قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
إن استطعت أن تتقي شح نفسك التي بين جنبيك (فأولئك هم المفلحون).
21 / 5