Durūs lil-Shaykh Abī Isḥāq al-Ḥuwaynī
دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني
Regions
Egypt
ما نقص مال من صدقة
لقد كان النبي ﵊ يعلم الشح الذي يحمل بني آدم على منع الصدقة، برغم أنهم لو تصدقوا لكان خيرًا لهم، ولذلك أقسم النبي ﵊ -مع أنه قلما يقسم في الأحاديث- فقال كما رواه الترمذي وغيره: (ثلاثٌ أقسم عليهن: ما نقص مالٌ من صدقة)، فإذا كان معك مائة جنيه، فتصدقت منها بعشرة جنيهات، فلا تظن أنه بقي معك تسعون جنيهًا؛ لأن مالك لم ينقص بل ازداد، ولكن العبد يريد أن يرى كل شيءٍ بعينه، وينسى أن صحته أغلى من ذلك، بدليل أنه لو أصابك مرض لأنفقت أموالك في العلاج.
فكونك صحيحًا هذا مال وكون ولدك صحيحًا مال وكونك في عافية هذا مال تصفو أملاكك كما هي هذا مال بيتك كما هو هذا مال وقس على ذلك، ولكن الناس لا يحسون إلا بالنعمة الظاهرة؛ ولذلك قلما يحمد الله ﵎ من ينظر هذه النظرة.
فالنبي ﵊ يقسم على هذا ويقول: ما نقص مالٌ من صدقة)، والله ﷿ أقسم كذلك، ومن المعلوم أن العباد في شك من الأشياء المقسم عليها؛ ولذلك فإن الخطاب الشاذ في الشيء يحتاج إلى نوع تأكيد، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] ما هو؟ ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣].
لأن كثيرًا من العباد لا يتصورون أن رزقهم في السماء، ولماذا جعل الرزق في السماء؟ حتى تطمئن أنه لن يستطيع مخلوقٌ أن يقطع رزقك: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، فإن كنت لا تصدق أن رزقك في السماء: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ) أي: إن هذا الكلام حق، (مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ).
أأنت تتكلم؟! فإن كنت لا تشك في أنك تتكلم الآن فإياك أن تشك أن رزقك في السماء.
وقد كان بعض السلف إذا تلا هذه الآية بكى، وقال: من أغضب الجليل حتى حلف على هذا، ونحن نصدقه بلا حلف.
فالأشياء التي يلتبس على العباد معناها تؤّكد، كقول إبراهيم ﵇ لما أراد أن يعدد مناقب إلهه وإلهنا العظيم ﵎، في مقابل هؤلاء الكفرة الذين يعظمون الأحجار، قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٧ - ٧٨]، تأمل في النظرة! ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٧٩ - ٨١].
وقد جيء في الآيات الثلاث الأول بضمير الرفع المنفصل (هو) ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠] (وَالَّذِي يُمِيتُنِي) ولم يقل: (فهو يحيين) إنما قال: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٨١]، فلماذا جيء بضمير الرفع المنفصل على سبيل التأسيس في الثلاث الأول دون الرابعة؟ لأن الثلاث الأول فيها لبس عند العباد: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، فكثير من الناس الذين تداركتهم عناية الله ﵎، يقول: لقد كنت ضالًا فهداني فلان.
فيخطئ بعض الناس فيجعل ما لله ﵎ للعبد، مع أن الذي هداه في الحقيقة هو الله ﷿، وما هذا إلا سبب، فلما التبس على العباد معنى الهداية ومن الذي هدى العبد أم الرب ﵎؟ فنحتاج أن نؤكد بضمير الرفع المنفصل أن الذي يهدي هو الله فقط؛ ولذلك أُكّد هذا المعنى بضمير الرفع الذي لا محل له من الإعراب: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨].
﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٩]، يقول بعض الناس: فلان أطعمني وسقاني.
وهذا منتشر كثيرًا، فأراد إبراهيم ﵇ أن يؤكد أن الذي يطعم ويسقي هو الله ﵎ لا غيره، وهذا موجود -كما قلت- في كلام العباد، فأكد بضمير الرفع المنفصل: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٩].
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] لأن كثيرًا من الناس ينسبون الشفاء للطبيب، ولا ينسبونه إلى الله ﵎ صحيح أنهم يعتقدون أن الله هو الشافي؛ ولكن الكلام الذي يخرج من أفواههم: إن الطبيب هو الذي أزال العلة.
وتأمل الأدب في قوله ﵇: (وَإِذَا مَرِضْتُ)، فقد في الأول: (الَّذِي خَلَقَنِي)، (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي)، ولم يقل: والذي أمرضني، أو وإذا أمرضني فهو يشفين وإنما نسب المرض لنفسه، كقول الخضر ﵇ لما خرق السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، مع أنه قال في نهاية المطاف: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢]، فأنا مأمورٌ بهذا من قبل رب العالمين، لكن عندما جاء ذكر العيب نسبه إلى نفسه تأدُبًا، ولما جاء ذكر الرحمة في قصة الجدار قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢]، فنسبها إلى الله ﵎.
فكل هذه المعاني قد تلتبس على العبد، ولذلك أُكدت بهذا الضمير الذي يفيد أن الفاعل هو الله ﷿، لكن عندما أتى إلى الصفة الأخيرة لم يحتج إلى هذا الضمير؛ لأنه لا يختلف اثنان في الأرض أن الذي يخلق ويميت هو الله ﷿، ولذلك قال: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٨١]، فلا يشك أحد أن الذي يميت ويحيي هو الله ﵎؛ ولذلك لم يحتج إلى ضمير الرفع.
إذًا: المسائل التي فيها بعض اللبس تؤكد، لكن لا يلتفت إلى هذه المؤكدات إلا قليل من الناس.
فالنبي ﵊ يقول: (ما نقص مالٌ من صدقة)؛ لأنك عندما تتصدق -مثلًا- بجنيه، فالحسنة بعشر أمثالها، ويزيد الله ﵎ تفضلًا منه إلى سبعمائة ضعف، فكم سيكون لك من جبال الحسنات عند الله ﷿!! فهل نقص مالك؟ لم ينقص.
وقد ورد في بعض الأحاديث أن الصدقة تدفع الضر عن العبد، وكل هذا مكتوب ومقدر عند الله ﵎.
21 / 6