289
شرح قاعدة: القول مقدم على الفعل عند التعارض
السؤال
عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان جالسًا كاشفًا عن فخذه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه، فلما قاموا قالت: يا رسول الله! استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك، فقال: يا عائشة! ألا أستحي من رجل والله إن الملائكة لتستحي منه) رواه أحمد وذكره البخاري تعليقًا.
وعن محمد بن جحش قال: (مر رسول الله ﷺ على معمر وفخذاه مكشوفتان فقال: يا معمر! غط فخذيك؛ فإن الفخذين عورة) رواه أحمد، والحاكم والبخاري في تاريخه وعلقه في صحيحه.
فهل هناك تعارض بين الحديثين؟ أو هل يُفهم من الحديث الأول أن الفخذ ليس بعورة؛ لأنه لو كان عورة ما كشفه الرسول ﵌؟
الجواب
لو لم يكن في الباب الحديث الثاني لكان الحديث الأول يدل على أن فخذ الرجل بالنسبة للرجل ليس بعورة، ولكن ما دام أنه قد جاء هذا الحديث الثاني وأحاديث في معناه كثيرة تصرح بأن الفخذ عورة؛ فحينذاك لا يؤخذ الحكم من الحديث الأول الذي فيه أن الرسول كشف عن فخذه في حضرة أبي بكر وعمر، وإنما يؤخذ الحكم من الحديث الثاني.
والسبب: أن هناك قاعدة فقهية تقول: إذا تعارض حديثان، وكان أحدهما من قوله ﵇ كحديث معمر هذا، والآخر من فعله ﵊ كحديث عائشة، ففي هذه الحالة يقدم القول على الفعل.
هذه قاعدة أصولية من تفقه بها فُتحَ عليه فقه كبير جدًا، واستطاع التوفيق بين أحاديث كثيرة، وهي: القول مقدم على الفعل عند التعارض.
والقول في ذلك: إن القول الصادر من الرسول ﵇ الموجه إلى الأمة هو شريعة عامة، أما الفعل الذي يفعله هو فيمكن أن يكون شريعة عامة حينما لا يوجد معارض له، ويمكن أن يكون أمرًا خاصًا به ﵊.
ومن المعلوم أيضًا عند العلماء قولهم: الدليل إذا طرأ عليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
فهذا الفعل، أي فعله ﵊، يمكن أن يكون شريعة عامة، ويمكن أن يكون حكمًا خاصًا به ﵊، ويمكن أن يكون هذا الشيء الذي فعله الرسول ﵊ لعذر، فما دام أن فعل النبي ﷺ يحتمل أسبابًا كثيرة تجعل هذا الفعل ليس شريعة عامة، وقد جاء قوله ﵇ بما يخالفه؛ حينذاك القول مقدم على الفعل، ولهذا أمثلة كثيرة جدًا.
مثلًا: من المعلوم أن الرسول ﷺ كان يواصل الصيام، يواصل صوم النهار مع الليل والليل مع النهار وهكذا، فرآه أصحابه فواصلوا معه الصيام ولم يفطروا، وإنما أربعة وعشرين ساعة، وثمانية وأربعين ساعة وهكذا يتضاعف الرقم، فواصل الصحابة معه حتى ضعفوا! لم يستطيعوا أن يتابعوا الوصال في الصيام، فنهاهم الرسول ﵊ عن أن يوصلوا الصيام، فقالوا: (يا رسول الله! إنك لتواصل، فقال ﵊: إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) إني لست كهيئتكم؛ لست كمثلكم، عندي طاقة وعندي قدرة ربانية، الله ﷿ يمكنني بها من مواصلة الصيام والاستمرار فيه، وأنتم لستم مثلي، فلا تواصلوا.
فهنا نأخذ الحكمة من القاعدة السابقة، أن الرسول ﵇ قد يفعل الفعل وهو خاص به، فما دام أنه نهى عن شيء وهو فعله فنحن لا نفعله؛ لأن فعله خاص به، وقوله شريعة عامة للمسلمين جميعًا.
كذلك من الأمثلة المشهورة عند جميع الناس: أن الرسول ﵇ مات وتحته تسع نسوة، بينما جاء في الحديث الصحيح: أن رجلًا في الجاهلية كان متزوجًا تسعًا، فلما أسلم جاء إلى الرسول ﵇ فذكر له ذلك، فقال له: (أمسك منهن أربعًا وطلق سائرهن) ما قال له: أنت متزوج كذا؛ لأنه يعرف أن له خصوصياته.
إذًا: إذا اختلف القول من الرسول ﵇ مع فعله فالقول مقدم على الفعل.
فحديث عائشة هنا لا يعارض حديث معمر: (غط فخذيك؛ فإن الفخذين عورة) فهو المعتمد في هذه المسألة، وليس حديث عائشة؛ لأنه فعل من الرسول ﵊، فهذا يمكن أن يكون قبل تحريم كشف الفخذ، ويمكن أن يكون خصوصية للرسول ﷺ.
إذًا: الاعتماد على قوله ﵇ في هذه الحادثة وليس على فعله.

24 / 4