290
حكم من يطلب الصدقة وهو لا يستحقها
السؤال
جاء في الحديث: أن الرجل كان يأتي الرسول ﵇ فيسأله مالًا فيعطيه، فإذا انطلق السائل يتأبط المال قال ﵊ لمن حوله: (إنه خرج -أو انطلق- يتأبطها نارًا) لماذا؟
الجواب
لأنه يسأل وليس له حق السؤال، ومعنى يسأل يشحذ، يأتي يطلب من الرسول ﵊ مالًا وهو قوي، كما قال ﵊ في حديث صحيح: (لا صدقة لغني ولا لذي مرة قوي) لغني واضح، ولذي مرة، أي: قوة، قوي، أي: قوي الخلق، ليس بناقص ولا ضرير ولا مقطوع اليد أو الرجل، فهذا لا صدقة له، ولا يجوز له أن يسأل ولا أن يُتصدق، عليه إلا إذا كان فقيرًا أو إذا كان عاجزًا، فحينما كان يأتيه الرجل وهو من هذا النوع، إما أن يكون غنيًا أو ذا مرة قوي، ويسأل الرسول ﵊ فيتحرج ﵊ من ألا يعطيه، فما يسعه ﵊ إلا أن يعطيه، ولكن مع ذلك يبين أن هذا السائل الذي أخذ ما أعطاه الرسول إنما يتأبط نارًا، لماذا؟ لأنه سأل ما ليس له حق فيه، فيقول الصحابة للرسول ﵊: إذًا: لِمَ تعطيه ما دمت ترى يا رسول الله أن هذا لا يستحق السؤال وبالتالي لا يستحق الإعطاء؟ فلماذا تعطيه؟ في جواب الرسول ﵊ الآتي بيان أنه ﵊ له منزلة ومقام يسوغ له من الأحكام ما يختص بها دون سائر الأنام، يقول الرسول ﵇: (وماذا أفعل؟ إنهم يسألونني ويكره الله لي البخل) ومعنى هذا: أن مقام النبوة يجب أن تكون بعيدة من أن يقال فيها ما لا يليق بها، ومن ذلك البخل، فلو أن الرسول ﵊ كلما جاءه سائل من الذين لا يجوز لهم السؤال امتنع من إعطائهم، لنشر هؤلاء بين الناس أن الرسول ﵊ شحيح وبخيل، بدليل أن فلانًا جاءه وسأله فلم يعطه، وفلان جاءه وسأله فلم يعطه، ومثل هذه الإشاعة التي لها ظواهر قد يقتنع بها بعض الناس، حيث امتنع الرسول من الإعطاء مما لا يناسب مقام النبوة والرسالة؛ ولذلك فكان يترجح عند الرسول ﵊ ولو كان غنيًا، أن يعطي السائل ولو كان مستطيعًا للكسب، حتى لا يقال: إنه شحيح بخيل.
ومن هنا نستطيع أن نقول: إن غير الرسول ﵊ ليس له هذا الحكم، وأعني بهذا: أن المسلم أن أحدنا إذا سأله سائل، جاءه متسول وقال له: أعطني من مال الله، فإذا كان المسئول يعلم أن هذا السائل لا يحق له السؤال، وأنه اتخذ السؤال والشحاتة مهنة فلا ينبغي أن يعطيه؛ لأنه في بإعطائه إياه يساعده على ضلاله، يساعده على اتخاذه السؤال مهنة، والمساعدة على الباطل باطل، والمساعدة على الإثم إثم، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] أما الرسول ﵊ فله ذلك الحكم خصوصية له من دون الناس، أما نحن فلا يؤثر فينا، ولا تتأخر دعوة الإسلام إذا أشاع الناس بالباطل أن فلانًا بخيل، أما الرسول ﵊ الذي هو الداعي الأول للإسلام، فقد تتأخر الدعوة بسبب مثل هذه الإشاعة التي تكون قائمة على امتناع الرسول ﵊ من إعطاء من لا يستحق العطاء.
فهذا مثال يساعدنا على فهم هذا العطف في هذا الحديث، ورب متخوض في مال الله ورسوله، فهذا المال الذي أعطاه الرسول هو ماله، ومع ذلك فقد تصرف هذا السائل في هذا المال تصرفًا غير مشروع؛ لأنه أخذه بغير حقه.

24 / 5