Durūs lil-Shaykh Muḥammad al-Mukhtār al-Shinqīṭī
دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي
موقف الحساب وشدته
وأما الموقف الرابع فقد بين النبي ﵌ خبره، فهو ما بعد نفخة الصور، وما بعد هول البعث والنشور، وهو الموقف للحساب، فقد صح عن النبي ﵌ قوله: (إن الله ﵎ يجمع الأولين والآخرين في صعيدٍ واحد، فينزل العرق في الأرض سبعين ذراعًا) فلو تذكّر الإنسان ذلك الموقف عندما يكون واقفًا بين يدي الله ﵎ ليس له ظلٌ إلا العمل الصالح، ليس له شفيع ولا موجب لذهاب ذلك الهم والغم سوى عمله الصالح، وتلك الطاعات والقربات، فهي التي تزيل عن العبد لفح شمس يوم الدين، وتزيل عنه همه وغمه، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أن الله جل وعلا يجعل ذلك اليوم على العبد المؤمن كأنه ساعة واحدة ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] يمر على العبد كاللحظة الواحدة إذا كان مؤمنًا.
إن هذه المواقف ليس فيها شفيع ولا عملٌ تتبدى به عند لقاء الله ﷿ أجلّ وأسمى من فعل الطاعات والتقرب إلى الله ﵎ بها، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﵌ وقد ذكر الله تعالى من أخبار عباد الله الذين جدّوا واجتهدوا في مرضاة الله بأنهم بعيدون عن تلك اللفحات، حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٣] إذا لقي العبد تلك الشدائد ثم وجد من تيسير الله ﷿ فذلك بفضل الله أولًا، ثم بصلاح قوله وعمله.
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال: (يقول الله تعالى: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أُظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) المحبة في القلوب أوجبت للعبد في ذلك الموقف الرهيب العصيب شفاعة بين يدي الله ﷿، فكيف بمن جد في الطاعات وشمّر في المرضاة؟!
19 / 6