371
أولًا: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ
أولها: أن المصدر الأساس لهذه العقيدة: هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فكتاب الله وسنة رسوله ﷺ رتب الله عليهما الإيمان في مثل قول الله ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وتحكيم الرسول إنما هو تحكيم لما جاء به من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ؛ ولهذا قال الله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]، لا يتبعون المتشابه، ولا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض كما قال ربنا ﵎ عن المنافقين: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٨٥]، الكتاب والسنة هما مصدر العقيدة، فكتاب الله ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]، وسنة النبي ﷺ هي التطبيق العملي لذلك الكتاب، ومن ثم فإننا نأخذ عقيدتنا من الكتاب والسنة، فإن أعظم مصدر للعقيدة هو الكتاب، ووالله لو تأملنا كتاب الله تعالى لوجدنا فيه القضايا العقدية المتعددة، سواء ما يتعلق بتوحيد الربوبية، أو الألوهية، أو الأسماء والصفات، أو الإيمان بالقضاء والقدر أو الإيمان باليوم الآخر، أو بالرسل وعلى رأسهم خاتمهم محمد ﷺ، ففي هذا القرآن ما يشفي الصدور، ويعمر القلوب، ويغذي النفوس بعقيدة صالحة.
ثم بعد ذلك سنة رسول الله ﷺ، والحمد لله أن الله هيأ لهذه الأمة من يمحص سنة النبي ﷺ ويميز صحيحها من ضعيفها؛ فجاءتنا سنة الرسول ﷺ صافية، صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله، صحيح مسلم هو الكتاب الثاني بعد صحيح البخاري، فكل ما فيهما من الأحاديث صحيحة، وهل فيهما عقيدة؟ نعم والله! فيهما عقيدة، بل أبواب من أبواب العقيدة، في صحيح البخاري تجد كتاب الإيمان، تجد كتاب التوحيد، تجد كتاب القدر، تجد كتاب الفضائل لأصحاب رسول الله ﷺ، تجد كتاب بدأ الخلق، تجد كتاب القيامة وما فيها، والجنة وما فيها، أبواب وكتب في صحيح البخاري، وكذلك أيضًا في صحيح مسلم، وكذلك أيضًا في غيرهما من السنن والمسانيد، وكل ذلك عقيدة صافية ممحصة.
فنحن نجعل هذا الكتاب الكريم والسنة النبوية هما المصدر؛ ولهذا أيها الإخوة في الله! سئل الزهري -الإمام المشهور- عن قول النبي ﷺ (ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود)، ما معناه؟ فأجاب بجواب يبين كيف نتعامل مع سنة الرسول ﷺ، قال ﵀: من الله العلم، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم، نسلم بما جاء من رسول الله ﷺ، ولهذا يقول الله ﷾ في كتابه العزيز: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩]، فإذا اختلفنا في شيء فإلى من نرده؟ هل إلى أهواء البشر وإلى قوانين البشر وإلى عادات البشر؟ لا، بل نرد الاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذه عقيدة، فإذا اختلفت الأهواء وتعددت البدع فإلى من نتحاكم؟ نتحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ؛ لنميز المنهج الصحيح من غيره، وحين تختلف الأمة في أحكام الحوادث النازلة بها، فيجب عليها عقيدة أن تتحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ.
يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، وغيرها من الآيات التي تأمر بالتحاكم إلى الكتاب والسنة، يقول شيخ الإسلام: وفي هذه الآيات أنواع من العبر الدالة على ضلال من تحاكم إلى غير الكتاب والسنة، وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق -انتبهوا! - بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة من بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب.
المنافقون يريدون التوفيق بين نصوص الوحي وبين أهوائهم، يريدون التوفيق بين العقل وبين النقل، يريدون التوفيق بين نصوص الشرع وبين السياسات الجائرة والقوانين الوضعية، فماذا يقول الله عنهم؟ ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٢]، ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق، فبين الله ﷾ أن هؤلاء منافقون.
أيها الإخوة في الله! ومن هنا فإن التنازع يجب أن يرد حين يقع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ، ومن ثم فإن الناس تجاه الكتاب والسنة ينقسمون إلى أربعة أقسام: القسم الأول: يقبل الكتاب والسنة ظاهرًا وباطنًا، وهؤلاء هم المؤمنون حقًا.
القسم الثاني: يقبله ظاهرا ًولكنه يرده باطنًا، وهؤلاء هم المنافقون الذين يقولون: نحن نريد الكتاب والسنة، ونعتمد على الكتاب والسنة، ونريد أن تكون عقيدتنا قائمة على الكتاب والسنة، لكنهم في الباطن مخالفون لهذا، ويجلسون مع أعداء الله من المنافقين ومن غيرهم ويقولون لهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤].
القسم الثالث: من رده ظاهرًا وباطنًا، وهؤلاء هم الكفار.
القسم الرابع: من قبله باطنًا، ولكنه جحده ظاهرًا لأمر طرأ عليه، وهذا قد يقع لبعض المستضعفين الذين أكرهوا وقلوبهم مطمئنة بالإيمان.
أيها الإخوة في الله! إن المصدر الأساس لهذه العقيدة هو الكتاب والسنة، وفي الكتاب والسنة ما يغني ويكفي والحمد لله.

17 / 22