372
السنة تشمل المتواتر وما صح من الآحاد
قد أشرت إلى أن مصدر العقيدة هو الكتاب والسنة، والسنة في منهاج السلف الصالح: هي كل ما صح عن رسول الله ﷺ، ومن ثم فلم يكن السلف الصالح رحمهم الله تعالى يفرقون بين ما هو متواتر وآحاد، وعلماء الحديث يقسمون الحديث إلى قسمين: متواتر: وهو ما رواه جمع عن جمع يستحيل عليهم الكذب.
والآحاد: وهو ما دون ذلك، إما رواه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أكثر لكن لم يبلغ حد التواتر.
منهاج السلف الصالح أنهم يحتجون بالأحاديث إذا صحت دون أن يفرقوا بين المتواتر وغير المتواتر، لكن أهل البدع من المعتزلة وبعض الخوارج وغيرهم قالوا: إن أخبار الآحاد تفيد الظن فلا يحتج بها في باب الاعتقاد، ونقول لهم: إن هذا ضلال وانحراف، ولم يكن أصحاب النبي ﷺ يعرفون هذا التفريق بين أحاديث الآحاد وغيرها، ولم يكونوا يميزون بين العقيدة والأحكام، بل يأخذون بأحاديث الآحاد سواء كانت مما ترتب عليه حكم شرعي أو كان خبرًا عن الله أو خبرًا عن اليوم الآخر، أو أي قضية من قضايا العصر؛ ولهذا فإن منهج السلف الصالح ﵏ أن الحديث الصحيح إذا ثبت وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يفيد العلم، ويحتج به في باب العقيدة كما يحتج به في باب الأحكام الشرعية، والدليل على ذلك أن الصحابة كانوا يتلقون الحديث ولو كان آحادًا، ولم يكونوا يفرقون بين ما هو عقيدة وما هو شريعة، فالصحابة وصدقوا بأحاديث عذاب القبر وهي أحاديث آحاد ليست متواترة، صدقوا بالأحاديث المتعددة المتعلقة بحوض النبي ﷺ أو بالميزان أو بالصراط أو حتى فيما يتعلق ببعض صفات الله تعالى، وأثبتوها وإن كانت أحاديث آحاد ليست متواترة، لم يكونوا يفرقون بين هذا وهذا، النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، ولما بعثه علمه كيف يدعو فقال له: (يا معاذ إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، فهل قال المسلمون هناك في اليمن لـ معاذ: أنت أتيتنا بعقيدة أنه لا إله إلا الله، لكنك واحد، وهذا خبر آحاد لا نقبل هذا حتى يأتي معك جمع؟! لم يفعلوا ذلك، وإنما استجابوا لـ معاذ.
وهكذا كان النبي ﷺ يرسل الآحاد إلى الملوك وإلى القبائل معلمين لهم العقيدة شارحين لها، وكان أولئك يتقبلونها دون أن يفرقوا بين العقائد والأحكام.
إذًا: ما عليه أهل البدع من المعتزلة والمدرسة العقلية الحديثة وغيرهم من الطعن في سنة رسول الله ﷺ؛ مخالف تمام المخالفة لمنهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.

17 / 23