Durūs al-Shaykh Aḥmad Farīd
دروس الشيخ أحمد فريد
الحكمة من خلق الخلق
الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلًا، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلًا، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحد الله ﷿ وعرفنا به ودعا إليه، وسلم تسليمًا.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله ﷿، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
عباد الله! إن الله لم يخلق خلقه عبثًا ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لأمر عظيم وخطب جسيم، عرضه على السماوات والأرض والجبال فأبين وأشفقن منه إشفاقًا ووجلًا، وقلن: ربنا إن أمرتنا فسمعًا وطاعة، وإن خيرتنا فعافيتك نريد لا نبغي بها بدلًا، وحمله الإنسان على ضعفه وعجزه عن حمله، وباء به بظلمه وجهله، فألقى أكثر الناس الحمل عن ظهورهم لشدة مئونته عليهم وثقله، وصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة، لا ينظرون في معرفة موجدهم وحقه عليهم، ولا يتفكرون في قلة بقائهم في الدنيا الفانية، وسرعة مصيرهم إلى الآخرة الباقية، فقد ملكهم باعث الحس، وغاب عنهم داعي العقل، وشملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني الباطلة والخدع الكاذبة، إذا بلغهم حظ من الدنيا بآخرتهم طاروا إليه زرافات ووحدانًا، ولم يؤثروا عليه فضلًا من الله ولا رضوانًا، يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون.
خلق الله ﷿ الخلق من أجل وظيفة معينة ومن أجل مهمة معينة، فمن عمل بهذه الوظيفة ومن قام بهذه الوظيفة حق القيام أفلح وأنجح وسعد في الدنيا والآخرة، ومن تغاضى عن هذه الوظيفة ولم يهتد إلى معرفتها أو عرفها ولكنه لم يقم بها خاب وخسر وكان حظه في الدنيا الضنك والشقاء والهم والغم والحزن، وينتقل من ذلك إلى ضيق الآخرة وإلى عذاب الآخرة، والآخرة أدهى وأمر.
ما خلقنا الله ﷿ لأجل أن ننشغل بالكرة، وننظر أي فريق من فرق الكرة ينتصر، وما خلقنا الله ﷿ للجلوس على المقاهي، وما خلقنا الله ﷿ للهو والعبث، وما خلقنا الله ﷿ من أجل أن نتسمر أمام شاشة الفيديو أو التلفاز أو استقبال البث المباشر.
لقد بين الله ﷿ الوظيفة التي خلق الله ﷿ من أجلها الخلق، والتي من أجلها أرسل الله ﷿ الرسل، فقال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فالله ﷿ خلق العباد من أجل أن يعبدوه وحده ﷿، كما قال ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: إلا ليعرفون.
أي: ليعرفوا الله ﷿ ويوحدوا الله ﷿، ليعرفوا الله ﷿ بأسمائه وصفاته وربوبيته وإلهيته.
وهذه المعرفة تدعوهم إلى عبادة الله ﷿ وحده، فالله ﷿ خلق العباد من أجل الطاعة والعبادة، وأرسل الله ﷿ الرسل من أجل أن يدعوا الناس إلى عبادة الله ﷿، ومن أجل أن ينبهوا الناس إلى الوظيفة التي خلقهم الله ﷿ من أجلها، فقال ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
وقال ﷿: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥].
وأول أمر في كتاب الله ﷿ أمر بالعبادة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١].
فالله ﷿ خلق الخلق من أجل أن يعبدوه ﷿، ومن أجل أن يفردوه ﷿ بالعبادة، فمن عرف هذه الوظيفة وقام بها أفلح وأنجح وسعد في الدنيا والآخرة.
هذه الوظيفة فهمها تلامذة النبي ﷺ والدعاة إلى الله ﷿ في كل زمان ومكان، فينبغي عليهم أن يجعلوا هذه الوظيفة نصب أعينهم، وأن يعلموا أن مهمتهم هي مهمة الرسل، لأنهم أتباع الرسل، والرسل
30 / 2