250
لذة الطاعة وشؤم المعصية
فالعبد ينبغي أن يكون كله لله ﷿، وقته لله ﷿، وزهده لله ﷿، وماله لله ﷿، وزوجته وأولاده لله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
فالعبد لا يجوز له أن يعمل ويؤدي إلى غير سيده، بل يجب عليه أن يؤدي إلى سيده، فلا يجوز له أن يختلس من وقته شيء ولا من جهده شيء ولا من ماله شيء، فكل عمله لله ﷿، فهو يصلي لله ويصوم لله ويحج إلى بيت الله الحرام ويسعى إلى معاشه لله ﷿ ليقوم بالواجبات عليه، بل ينام لله ﷿، كما قال معاذ: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.
فعمله كله لله ﷿، وليله ونهاره لله ﷿، يظن الناس أن من كان كذلك فإنه يعيش مكدر الخاطر، منغص الضمير؛ لأنه لا يفعل ما تهواه نفسه، ولا ما يزينه إليه شيطانه؛ لأنهم يتوهمون أن العبد لا يمكن أن يسعد حتى يفسق عن أمر الله ﷿ ونهيه، وحتى يتبع الهوى، وحتى يفعل ما تأمره به الشياطين.
وهذا من الظن الفاسد، بل لا سعادة له إلا في طاعة الله ﷿، وفي عبوديته لله ﷿، وأن يكون كله لله ﷿، فمن الناس من ليس منه شيء لله ﷿، فهو بباطنه ليس مشغولًا بالله، وليس ممن يحب الله ﷿ وينشغل بطاعته، وأعماله خارجة عن طاعة الله ﷿.
ومن الناس من يكون ظاهره لله ﷿، فهو يقف في الصف مع المصلين، ويقف بعرفات مع الواقفين، ويخرج مع الحجاج والمعتمرين، ولكن قلبه في الشهوات يهيم.
وهذا ينطبق عليه قول القائل: يخبرني البواب أنك نائم وأنت إذا استيقظت أيضًا فنائم فمثل هذا لا يجد طعم الإيمان، ولا يجد حلاوة الإيمان، ولا يجد سعادة الإيمان، لأنه لا يجد ذلك إلا من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا، لا يجد العبد طعم الإيمان وحلاوة الإيمان حتى يكون كله لله ﷿، فهو بظاهره مشغول بطاعة الله وباطنه مع الله ﷿، وقلبه مملوء بحب الله ﷿، وسعادته في أن يخلو بالله وفي أن يذكر الله ﷿، وفي أن يجلس في مجالس ذكر الله ﷿، وفي تحقيق العبودية لله ﷿، فكلما حقق العبد كمال العبودية لله ﷿ فإنه يسعد في الدنيا والآخرة، وتجري في قلبه أنهار الجنة، ويفتح لقلبه باب إلى الجنة يأتيه من ريحها وطيبها، كما قال بعضهم: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من نعمة لجالدونا عليها بالسيوف.
وقال بعضهم: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.
وقال بعضهم: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، وصلاة الجماعة.
وقال بعضهم: إنه لتمر بي أوقات يرقص فيها القلب طربًا.
وقال بعضهم: إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة كما نحن فيه والله! إنهم لفي عيش طيب.
لماذا لم نجد هذه المعاني الإيمانية ولم نصل إلى هذه الأحوال الشريفة الرضية؟ لأننا لسنا جميعًا لله ﷿، وفي قلوبنا من حب الدنيا ومن الشهوات ومن المعاصي الظاهرة والباطنة ما حرمنا بسببه من وجود لذة الطاعة والعبادة كما وجد السلف ﵃.
وقال شيخ الإسلام: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة.
وكان يقول: ما يفعل بي أعدائي؟ أنا جنتي معي، بستاني في صدري، إن سجني خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وتعذيبي جهاد في سبيل الله.
ولما سجن في القلعة نظر من خلف الباب وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣].
وكان تلميذه العلامة شيخ الإسلام ابن القيم يقول: كنا إذا ضاقت بنا الأمور واشتدت بنا الأحوال نلقاه فما أن نراه إلا يذهب كل ذلك عنا وينقلب انشراحًا وفرحًا، ولقد كان من أطيب الناس عيشًا مع ما كان فيه من شدة العيش وخلاف الرفاهية، كانت نضرة النعيم تلوح على وجهه.
فالحمد لله الذي فتح لعباده بابًا إلى جنته فأتاهم من ريحها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، وهم ما يزالون في دار العمل.
وشيخ الإسلام تجاوز الستين سنة وما وجد حياة الراحة والاستقرار حتى يتزوج، بل كان من سجن إلى سجن ومن معركة إلى معركة ومن مناظرة إلى مناظرة، لم يفرغ يومًا حتى يتزوج زوجة حسناء، أو يملك سرية حسناء، ولا سعى خلف دينار ولا درهم ولا سعى لمنصب، فكانت حياته كلها بذل لله ﷿ وعبودية لله ﷿، فكيف وجد سعادة الإيمان وحلاوة طاعة الله الرحمن؟ بل كيف يجد من رآه حلاوة الإيمان؟ وكيف ينشرح صدر من رآه من أتباعه من المؤمنين والأولياء الذين رؤوا ذكر الله؟ ورد عن أيوب السختياني سيد شباب أهل البصرة من التابعين: أنه كان إذا دخل السوق ورأوه هللوا وسبحوا وكبروا، أي: لما يرون عليه من آثار الطاعة والعبادة.
فالم

30 / 3