253
التوسل بأسماء الله ﷿
وقوله: (ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك) هذا فيه توسل مشروع بأسماء الله ﷿ الحسنى، والله ﷿ هو الذي سمى نفسه بهذه الأسماء الحسنى؛ لأن من علامة النقص والفقر والحاجة أن يحتاج العبد إلى من يسميه، والله ﷿ غني ومن سواه فقير إليه، وقد عاب الله ﷿ الآلهة الباطلة فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم:٢٣] فهم فقراء يحتاجون إلى من يسميهم، والله ﷿ هو الذي سمى نفسه بالأسماء الحسنى، فأنزل بعضها في بعض كتبه، وعلم بعضها بعض خلقه، واستأثر الله ﷿ بعلم بعضها.
وهذا يدل على أن لله ﷿ أسماء لا نعرفها ولم يعرفها أحد من خلق الله ﷿.
وقوله: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك) هذا لا ينافي قول النبي ﷺ كما في الصحيحين: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر) أي: من جملة أسماء الله ﷿ تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة.
وهذا يدل على أن هذه الأسماء من الأسماء التي علمها الله ﷿ لبعض خلقه، أو نزلت في كتاب الله ﷿، أو جاءت في سنة رسول الله ﷺ، وليس معنى ذلك أن الله ﷿ ليس له إلا هذه الأسماء، وهذا -كما قال شيخ الإسلام - شبيه بقول النبي ﷺ: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله ﷿ للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض) أي: من جملة درجات الجنة مائة درجة أعدها الله ﷿ للمجاهدين في سبيله.
وهذا الفهم كذلك موافق لقول الله ﷿: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] فالله ﷿ يعلم ولا يحاط به علمًا، فنحن لا نعرف كل أسماء الله ﷿؛ لأن هذا إحاطة بعلم الله ﷿ أو إحاطة علم بالله ﷿.
فالله ﷿ يعلم ولا يحاط به علمًا؛ لعظمة الله ﷿، كما أنه ﷿ يرى في الآخرة ولا يدرك، يرى كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث ولكنه لا يدرك، كما قال سبحانه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] لعظمة الله ﷿، والإدراك فوق الرؤية، كما قال ﷿: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢] فحصلت الرؤية ولم يحصل الإدراك؛ لأن الإدراك هو: الإحاطة بالشيء من جميع جوانبه.
سئل ابن عباس عن قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وعن قوله ﷿: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]؟ فقال للسائل: سوف أضرب لك مثلًا من خلقه، قال: أفترى السماء؟ قال: نعم.
قال: أفتدركها؟ قال: لا، قال: الله أعظم وأجل.
فالسماء خلق من خلق الله ﷿، كم فيها من المجرات ومن النجوم ومن الكواكب؟ وما هي أحجامها وأبعادها؟ وما هي مساراتها؟ كل ذلك لا يستطيع العبد عندما ينظر إلى السماء أن يحيط علمًا بها، وهي خلق من خلق الله ﷿، فكيف بالله ﷿ وهو فوق كل شيء وأكبر من كل شيء؟ فهو يعلم ولا يحاط به علمًا، كما أنه يرى في الآخرة ولا يدرك.
قال ﷺ: (أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء همي وحزني) فالقرآن مثله كمثل الربيع - أي: المطر - والمطر ينزل نزولًا واحدًا على الأرض، والأرض تختلف، فهناك أرض طيبة إذا نزل عليها المطر اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فتثمر الثمار اليانعة، كذلك القلوب الطيبة التي ينزل عليها القرآن تثمر الأحوال الحسنة والمعاني الطيبة والأعمال الصالحة، وهناك قلوب لا تزداد إلا شكًا واضطرابًا.
قال ﷿: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥].
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا وهمومنا، اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا.
اللهم إنا نسألك أن تقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا

30 / 6