Durūs al-Shaykh Aḥmad Farīd
دروس الشيخ أحمد فريد
سبب فلاح العبد وسبب شقائه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
ثم أما بعد: عباد الله! لما خلقت القلوب لمعرفة علام الغيوب وغفار الذنوب ﷿ صارت سعادتها في طاعة الله ﷿ وفي عبادة الله ﷿ وفي توحيد الله ﷿، فإذا تعلق القلب بغير الله فالتعاسة والشقاء: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).
والقلب لو كان فيه غير الله ﷿ يشقى بذلك شقاءً لا يرجى له فلاح، حتى يعرف الله ﷿، وحتى يتعلق بالله ﷿ تعلق المحب المضطر، فكما خلقت العين للإبصار والأذن للسماع واللسان للتحدث والذوق خلق القلب لمحبة الله ﷿ ومعرفة الله ﷿، فإذا خلا من حب الله ﷿ وطاعته فهو كالعين العمياء والأذن الصماء واليد الشلاء والجسد الميت، فلا سعادة للعباد إلا في طاعة الله ﷿ وفي تحقيق كمال العبودية لله ﷿.
يقول النبي ﷺ: (ما أصاب عبد قط هم ولا غم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء همي وحزني؛ إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحًا).
لما خلقت القلوب لمعرفة علام الغيوب وتوحيد علام الغيوب وغفار الذنوب ﷿ صار علاج القلوب كذلك في التوحيد، فالقلوب لا تصلح إلا بالتوحيد، فمن أصيب بهم أو غم أو حزن والهم: ما يصيب القلب عند انتظار مكروه في المستقبل، والغم: ما يصيب القلب عند المصيبة الحاضرة، والحزن: هو الأثر الباقي في القلب نتيجة لمصيبة سالفة.
والقلوب تصاب بضعف التوحيد، وإلا فلو كانت دائمًا مقبلة على الله ﷿ موحدة لله ﷿ فلن تجد شيئًا من ذلك، بل تجد السعادة باستمرار وتجد حلاوة الأنس بالله ﷿، ونحن في أنفسنا شاهد على ذلك، فليس منا أحد فعل الطاعة ولم يفعل المعصية، وليس منا أحد لم يذق طعم الطاعة، فنحن جميعًا جررنا الطاعة والمعصية، فكم أطعت الله ﷿ فوجدت أنسًا في قلبك وحلاوة في قلبك، وإقبالًا على الله ﷿ وفرحًا بالله ﷿! وكم خذلت ووقعت في المعصية أو الغفلة فوجدت الوحشة والضنك والشقاء! فالقلوب أسعد ما تكون إذا أقبلت على الله ﷿، فالقلوب لا تصل إلى مناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة.
ونكتة المسألة: إذا سلم القلب قربه الله ﷿ وأدناه، فيسعد بالله ﷿، ويأنس بالله ﷿، ويستغني بالله ﷿، وإذا فعل العبد المعصية طرده الله ﷿ عن حضرته وأبعده بقدر جريمته، فيجد الوحشة بينه وبين الله ﷿ وبينه وبين عباد الله المؤمنين.
فسعادة القلوب في قربها من الله ﷿، وفي إقبالها على الله ﷿، فإذا أصيب القلب بشيء من الهم أو الغم أو الحزن فعلاجه أن يعود إلى التوحيد، وأن يجدد توحيده للرب العزيز الحميد المجيد، وأن يقف العبد ذليلًا على ذات ربه العزيز ﷿، ويقول: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك.
فهو ليس عبد ابن سيد، ولكنه عبد وابن عبد وابن أمة، فالعبودية متأصلة فيه.
وقوله: (ناصيتي بيدك) فيه إقرار منه بتمام الخضوع لربوبية الله ﷿، فمن كمال ربوبية الله ﷿ أن الله تعالى أذل جميع الخلق وقهر جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، كما قال ﷿: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦] يعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير، يملك نواصي العباد ويملك قلوب العباد، يصرف قلوب العباد كيف يشاء، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣] فالله ﷿ لو شاء أن يهدي كل الخلق لهداهم بكلمة واحدة، ولكن كيف تكون الدعوة إلى الله ﷿؟ وكيف يوجد الدعاة إلى الله ﷿؟ فالله ﷿ قادر على هداية جميع الخلق دون خطب ودون دروس ودون كتب وأشرطة، ولكن الله ﷿ يريد أن يبذل الدعاة إلى الله ﷿، كما أن الله ﷿ قادر على أن يهلك روسيا وأمريكا وسائر الملل الكافرة، وأن يدمر اليهود تدميرًا بصيحة واحدة من جبرائيل تهلكهم عن آخرهم، ولكن كيف يكون البذل؟ وكيف تكون التضحية؟ وكيف تظهر آيات الجهاد والبذل لإعلان دين الله ﷿؟ وكيف يتخذ الله ﷿ من يشاء من الشهداء؟.
فالله ﷿ هو رب الناس، أي: يربيهم ويملك أمورهم، وهو الذي قهرهم ودبرهم كيف أراد: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْت
30 / 5