ووجه التناقض - أن الحديث الأول يفيد - في نظر المستدلين به - أن كل مسلم مصيب لأن الحديث قد حكم بالحسن على مذهبه.
- الثاني: أنه يقتضي أن يكون العمل حسنا عند بعض الناس قبيحا عند البعض الآخر وهذا باطل (١) ولو كان المراد منه استحسان عامة المسلمين لكان هذا فتحا لباب الابتداع في الدين.
وبعد هذا أرى أنه لا يمكن الاحتجاج بقول ابن مسعود على وجود البدعة الحسنة أو جوازها، وأما الاحتجاج به من المبتدعة وأشباههم إنما يكون لهوى في نفوسهم، وإلا فابن مسعود ﵁ كان من أشد الصحابة تحذيرا من الابتداع ومقاومة للبدع.
وأما استدلالهم بما فعله السلف وعملوا به مما لم يرد فيه نص صريح أو خاص من كتاب أو سنة ومثلوا لذلك بجمع القرآن وتصنيف العلوم وغير ذلك - على وجود البدعة الحسنة.
والجواب عن ذلك: أن ما ذكروه واستدلوا به من فعل الصحابة ليس دليلا على ما ذهبوا إليه.
لأن ما فعله الصحابة كان من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب أو من قبيل المصلحة المرسلة عند من يأخذ بها.
وأما جمع أبي بكر ﵁ للقرآن وجمع عثمان ﵁ الناس على مصحف واحد فقد كان سببه الخوف من تفلت القرآن من الصدور وضياعه، فقام أبو بكر ﵁ بجمعه بين الدفتين، ثم جاء عثمان ﵁ فجمع الناس على مصحف واحد، وأمر بإحراق ما عداه من المصاحف خشية الاختلاف في القرآن ووقوع الفتنة بسبب ذلك.
فهذا الأمر - أعني جمع القرآن - لم يرد فيه نص عن النبي ﷺ بفعله على وجه الخصوص. لكن نصوص الشرع العامة تؤيده.
(١) انظر: الإبداع، ص ١٤٣ - ١٤٤.