الله عنه. فمن ذلك ما نقله الحافظ ابن حجر في الفتح حيث قال: (وقد بين الزبير بن بكار (١) في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال " اللهم أنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث " قال فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس) (٢) فهذا الحديث قد بين أن التوسل إنما كان بدعاء العباس ﵁ لا بذاته أو شيبته كما يزعمون، وإلا فما الداعي إلى أن يقوم العباس فيدعو دعاء جديدا؟ وما فائدة مجيء العباس إلى مكان الاستسقاء للدعاء؟ ! ولم يكن عمر ﵁ وحده هو الذي عدل عن التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته إلى التوسل بغيره من الأحياء، بل تابعه على ذلك معاوية بن أبي سفيان والضحاك بن قيس ﵄ إذ توسلا بدعاء يزيد بن الأسود (٣) الجرشي (٤) وعلى هذا جرى عمل الصحابة والتابعين (٥) .
فتبين من هذا أن حديث عمر بن الخطاب في توسله بالعباس ﵄ ليس فيه دليل على جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد موته بل هو دليل على عدم جوازه.
ومن الأحاديث التي استدلوا بها ما أخرجه أحمد وغيره بسنده عن عثمان بن
(١) هو أبو عبد الله الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب من ولد الزبير بن العوام ﵁ (١٧٢- ٢٥٦ هـ) .
كان ثقة ثبتا عالما بالأنساب. شاعرا ولي قضاء مكة. من تصانيفه: جمهرة نسب قريش وأخبارها، أخبار العرب وأيامها، مزاح النبي ﷺ، انظر: تاريخ بغداد، ٨ / ٤٦٧، وسير أعلام النبلاء، ١٢ / ٣١١.
(٢) فتح الباري، ٣ / ١٥٠.
(٣) أخرج هذا الأثر ابن سعد في الطبقات، دار صادر، بيروت، ٧ / ٤٤٤.
(٤) هو يزيد بن الأسود الجرشي من سادات التابعين بالشام، أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره. انظر سير أعلام النبلاء، ٤ / ١٣٦ - ١٣٧.
(٥) انظر: التوسل، ص ٧٠.