حتى مضت غزوة بدر والخندق، قدم المدينة على رسول الله ﷺ وصحبه إلى أن توفى ﷺ وكان ﵁ في أيام الجاهلية يعبد صنمًا وكان لا يفارقه في حضر ولا سفر، فخرج به يومًا إلى السفر فوضعه في مكان ووضع عنده حوائجه وأمتعته، وقال: أيها الصنم احفظ حوائجي حتى أعود، ثم ذهب لحاجة، فلما ذهب جاء الثعلب وبال عليه، فلما رجع أبو ذر وجده مبلولًا فقال: السماء لم تمطر فمن أين هذا البلل؟ ثم نظر في الأرض فوجد أثر الثعلب، فعلم أنه بول الثعلب فمقته ورمق بطرفه نحو السماء وأنشد يقول ﵁:
أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
برئت من الأصنام في الأرض كلها ... وآمنت بالله الذي هو غالب
وترك عبادة الأصنام وكان ذلك قبل بعثه النبي ﷺ، وهو أحد الجماعة الذين آمنوا قبل البعثة وتركوا عبادة الأصنام.
قال البغوي (١) في تفسيره: الذين آمنوا قبل البعثة حبيب النجار، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وأبو ذر، وسلمان الفارسي ووفد النجاشي (٢) .
وزاد ابن الجوزي في كتابة التلقيح جماعة أخرين آمنوا قبل البعثة.
وفي ذكر «حبيب النجار» مع الجماعة الذين آمنوا قبل البعثة إشارة إلى أنه كان عبدًا صالحًا، ولم يكن نبيًا.
وهذه المسألة وقع فيها خلاف فالذي ذهب إليه أكثر أهل التفسير كما قاله ابن الأثير في الكامل: أنه كان رجلًا صالحًا ولم يكن نبيًا.
والذي ذهب إليه أكثر أهل السير: أنه كان نبيًا. وقيل: كان نبيًا مرسلًا إلى أصحاب الرس.
وأبو ذر زاهد هذه الأمة، شبهه النبي ﷺ بعيسى بن مريم، وأفاد بعضهم بأنه إنما كني بأبي ذر لأنه ﵁ كان عنده خبز، فطلع عليه الذر فوزنه والذي عليه فلم يزد شيئًا فقال: انظروا إلى هذا الذر لم يظهر له أثر في ميزان الدنيا، ولم يرجح بسبه الميزان، وميزان الآخرة مع عظمه يطيش ويرجح بذرة واحدة فكني بأبي ذر.
و«الذر» هو النمل الأحمر الصغير واحده «ذرة» .
قال النووي: ويحل قتله دون النمل الأسود.
(١) هو: الحسين بن مسعود البغوي، أحد أئمة الحديث والتفسير، ومن كبار علماء الشافعية، ولد سنة: ٤٣٦هـ من مؤلفاته: شرح السنة، ومعالم التنزيل في تفسير القرآن، وكانت وفاته سنة: ٥١٦هـ.
انظر: طبقات الشافعية (٤/٤٨)، وتذكرة الحفاظ (٤/٥٢)، وطبقات المفسرين للداودي (ص ٥٨)، والنجوم الزاهرة لابن تغري (٥/١٢٤) .
(٢) انظر تفسير البغوي (١/٧٩) .