وقال رسول الله ﷺ: «الكذب مكتوب إلا أن يكذب الرجل في الحرب فإنه خدعه، أو يكذب بين اثنين فيصلح بينهما، أو يكذب لامرأته ليرضيها» (١) .
وأما الصور التي يجب فيها الكذب فمنها: ما إذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله وسأله شخصًا مسلمًا عنه هل يعرف محله فإنه يجب عليه الكذب، وإذا حلف وجب عليه أن يحلف أنه لا يعلم مكانه، ولا إثم عليه بل يثاب على هذا الكذب ثواب الواجب، نعم إن كان الحلف في هذه الصورة بالطلاق وقع عليه.
ومنها: لو كان عند إنسان وديعة لشخص فسأله ظالم عنها ليأخذها منه، وجب عليه الكذب، فإن حلَّفه الظالم بالله تعالى جاز له الحلف كاذبًا لمصلحة الوديعة ووجب عليه تكفير يمينه، فلو لم يحلف وأخبره بأن الوديعة عنده فأخذها الظالم قهرًا وجب ضمانها عليه، وإن أكرهه الظالم في هذه الصورة على الحلف بالطلاق فهو مخير بين الحلف وبين الاعتراف والتسليم، فإن اعترف وسلم ضمن على المذهب لأنه فدى زوجته بالوديعة، وإن حلف بالطلاق أن الوديعة ليست عنده طلقت زوجته على المذهب، لأنه فدى الوديعة بزوجته.
فائدة: الكذب على المسلم كأن قال رأيت في منامي ولم ير شيئًا حرام.
قال النبي ﷺ: «من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين طرفي شعيرة، ومن استمع بحديث قوم وهم له كارهون صب أذنيه الآنك، ومن صور صورة كلف أن ينفخ فيها روح وليس بنافخ» (٢) رواه البخاري.
ومعنى «تحلم»: قال إنه حلم في نومه، ورأى كذا وكذا، وهو كاذب.
«والآنك» بالمد وضم النون وتخفيف الكاف: الرصاص المذاب قاله النووي.
وأما «الخيانة»: فهي التصرف في الأمانة على خلاف الشرع كالجناية في الوديعة فإنها أمانة في يد المودع، فإذا تلفت الوديعة تحت يده من غير تقصير فلا ضمان عليه لعدم خيانته، أما إذا قصر فيها فإنه يضمن، وأسباب الضمان كثيرة نقلها الفقهاء ﵃.
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤/٢٠٤، رقم ٤٧٩٨) .
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٦/٢٥٨١، رقم ٦٦٣٥) . وأخرجه أيضًا: أبو داود في سننه (٤/٣٠٦، رقم ٥٠٢٤)، والترمذي في سننه (٤/٢٣١، رقم ١٧٥١) وقال: حسن صحيح. وأحمد في مسنده (١/٣٥٩، رقم ٣٣٨٣) .