164

Marʿāt al-Mafātīḥ Sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Publisher

إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء-الجامعة السلفية

Edition

الثالثة - ١٤٠٤ هـ

Publication Year

١٩٨٤ م

Publisher Location

بنارس الهند

قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله ﷺ: «فحج آدم موسى،
ــ
وقال آخر شاكيًا متظلمًا:
... ... ... إذا كان المحب قليل حظ فما حسناته إلا ذنوب
ولخصمًاء الله هناك تظلمات وشكايات، ولو فتشوا زوايا قلوبهم لوجدوا هناك خصمًا متظلمًا شاكيًا يقول: لا أقدر أن أقول شيئا وإني في صورة ظالم، ويقول بحرفة وتنفس الصعداء مسكن بن آدم لا قادر ولا معذور، وقال آخر: ابن آدم كرة تحت صولجانات الأقدار يضربها واحد ويردها الآخر، وهل تستطيع الكرة الانتصاف من الصولجان؟ ومن له أدنى فهم وبصيرة يعلم أن هذا كله تظلم وشكاية وعتب، فتبًا له ظالمًا في صورة مظلوم، وشاكيًا والجناية منه، وقد جد في الإعراض وهو ينادي طردوني وأبعدوني، ولي ظهره الباب بل أغلقه على نفسه وأضاع مفاتيحه وكسرها ويقول:
دعاني وسد الباب دوني فهل إلى دخولي سبيل بينوا لي قضيتي
يأخذ الشفيق حجزته عن النار، وهو يجاذبه ثوبه ويغلبه ويقتحهما ويستغيث: ما حيلتي وقد قدموني إلى الحفيرة وقذفوني فيها. والله كم صاح به الناصح: الحذر الحذر إياك إياك، وكم أمسك بثوبه وكم أراه مصارع المقتحمين وهو يأبى إلا الاقتحام:
وكم سقت في آثاركم من نصيحة وقد يستفيد البغضة المتنصح
ياويله ظهيرًا للشيطان على ربه، خصمًا لله على نفسه، جبري المعاصي قدري الطاعات، عاجز الرأي مضياع لفرصته، قاعد عن مصالحه معاتب لأقدار ربه، يحتج على ربه بما لا يقبله من عبده وامرأته وأمته إذا احتجوا به في التهاون في بعض أمره، فلو أمر أحدهم بأمر ففرط فيه أو نهاه عن شيء فارتكبه وقال: القدر ساقني إلى ذلك لما قيل منه هذه الحجة ولبادر إلى عقوبته، فإن كان القدر حجة لك أيها الظالم الجاهل في ترك حق ربك، فهلا كان حجة لعبدك وأمتك في ترك بعض حقك؟ بل إذا أساء إليك مسيء وجنى عليك جان واحتج بالقدر لاشتد غضبك عليه وتضاعف جرمه عندك ورأيت حجته داحضة، ثم تحتج على ربك به وتراه عذرًا لنفسك، فمن أولى بالظلم والجهل ممن هذه حالة؟ (إلى آخر ما قال) (قبل أن يخلقني بأربعين سنة) قيل المراد بالأربعين سنة ما بين قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ إلى نفخ الروح فيه، أو هي مدة لبثه طينًا إلى أن نفخت فيه الروح، والأظهر أن ابتداء المدة وقت الكتابة في الألواح وآخرها ابتداء خلق آدم (فحج آدم موسى) تقدم بيان وجه غلبة آدم على موسى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يعذر الله أحدًا قط بالقدر، ولو عذره به لكان أولياؤه وأنبياؤه أحق بذلك، وآدم إنما حج موسى لأنه لامه على المصيبة التي أصابت الذرية، فقال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة، كما في بعض الروايات، وما أصاب العبد من المصائب فعليه أن يسلم فيها لله تعالى ويعلم أنها مقدرة عليه، والحاصل أنه حصل من موسى ملام على المصيبة التي أصابت الذرية

1 / 163