Mawsūʿat al-akhlāq al-Islāmiyya
موسوعة الأخلاق الإسلامية
Publisher
موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net
نماذج من رحمة الصحابة:
وقد سار صحابة رسول الله ﷺ على نهجه واقتدوا به في التمسك بهذا الخلق الكريم، حتى صار الرجل المعروف بشدته وصرامته هينًا لينًا رحيمًا رؤوفًا:
- فهذا عمر بن الخطاب ﵁ الذي عرف بشدته وقوته تغير الرحمة من طباعه فيصبح رقيقًا يمتلأ قلبه رحمة ويفيض فؤاده شفقة، ومما يدل على ذلك قوله لعبد الرحمن بن عوف حينما أتاه يكلمه في أن يلين لهم لأنه أخاف الناس حتى خاف الأبكار في خدورهن، فقال: (إني لا أجد لهم إلاَّ ذلك، والله لو أنهم يعلمون ما لهم عندي من الرأفة والرحمة والشفقة لأخذوا ثوبي عن عاتقي) (١).
- و(رآه عيينة بن حصن يومًا يقبل أحد أبنائه وقد وضعه في حجره وهو يحنو عليه، فقال عيينة: أتقبل وأنت أمير المؤمنين؟ لو كنت أمير المؤمنين ما قبلت لي ولدًا. فقال عمر: الله، الله حتى استحلفه ثلاثًا، فقال عمر: فما أصنع إن كان الله نزع الرحمة من قلبك؟ إن الله إنما يرحم من عباده الرحماء) (٢).
- (واشتهى الحوت يومًا، فقال: لقد خطر على قلبي شهوة الطري من حيتان، فخرج يرفأ في طلب الحوت لعمر ﵁، ورحل راحلته، فسار ليلتين مدبرًا، وليلتين مقبلًا، واشترى مكتلًا، وجاء بالحوت، ثم غسل يرفأ الدابة، فنظر إليها عمر فرأى عرقًا تحت أذنها، فقال: عذبت بهيمة من البهائم في شهوة عمر، لا والله لا يذوقه عمر، عليك بمكتلك) (٣).
(ومرّ ﵁ براهب فوقف ونودي بالراهب فقيل له: هذا أمير المؤمنين، فاطَّلَع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترْكِ الدنيا، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنه نصراني، فقال عمر: قد علمت ولكني رحمته، ذكرت قول الله ﷿: عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٣ - ٤] رحمتُ نصبَه واجتهاده وهو في النار) (٤).
- وتُحدثنا أم المؤمنين عائشة ﵂ عن امرأة من الصحابة تجلت فيها أروع صور الرحمة وأعظمها وهي الرحمة بالولد والشفقة عليه .. تقول عائشة ﵂ قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها. فأطعمتها ثلاث تمرات. فأعطت كل واحدة منهما تمرة. ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها. فاستطعمتها ابنتاها. فشقت التمرة، التي كانت تريد أن تأكلها، بينهما. فأعجبني شأنها. فذكرت الذي صنعت لرسول الله ﷺ. فقال «إن الله قد أوجب لها بها الجنة. أو أعتقها بها من النار» (٥).
- وهذا أبو برزة الأسلمي ﵁ من رحمته أنه كان له جفنة من ثريد غدوة، وجفنة عشية للأرامل واليتامى والمساكين (٦).
(١) «المجالسة وجواهر العلم» (٤/ ٤٣) (١١٩٩).
(٢) «جامع معمر بن راشد» (١١/ ٢٩٩) (٢٠٥٩٠).
(٣) رواه أحمد (١/ ٣١٩) (٤٤٣)، وابن عساكر (٤٤/ ٣٠١).
(٤) رواه عبد الرزاق (٣/ ٤٢٠) (٣٥٨٤).
(٥) رواه مسلم (٢٦٣٠) من حديث عائشة ﵂.
(٦) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٤/ ٢٩٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٢/ ٩٩).
1 / 246