Mawsūʿat al-akhlāq waʾl-zuhd waʾl-raqāʾiq
موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق
طلب رستم وفدا من سعد بن أبي وقاص في القادسية فأرسل سعد ربعي بن عامر، فدخل على رستم، وقد زينوا مجلسه بالنمارق، والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآليء الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بترس وفرس قصير، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه، فقالوا له: ضع سلاحك.
فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت.
فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامتها.
فقالوا له: ما جاء بكم؟
فقال: ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك، قبلنا ذلك منه، ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبي ذلك قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله.
قال: وما موعود الله؟
قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقى، فخلص رستم برؤساء أهل فارس، فقال: ما ترون؟ هل رأيتم كلاما أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل؟
قالوا: معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا، وتدع دينك لهذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه؟ فقال: ويحكم لا تنظروا إلى الثياب، ولكن انظروا إلى الرأي، والكلام والسيرة.
ثم كان أن أبى الفرس دعوة الإسلام، واختاروا المناجزة، فنصر الله المسلمين، وهزموا فارس وسبوهم، وكان يزدجرد ملك فارس قد أرسل يستنجد بملك الصين، ووصف له المسلمين، فأجابه ملك الصين: إنه يمكنني أن أبعث لك جيشا أوله في منابت الزيتون -أي الشام- وآخره في الصين، ولكن إن كان هؤلاء القوم كما تقول، فإنه لا يقوم لهم أهل الأرض، فأرى لك أن تصالحهم، وتعيش في ظلهم وظل عدلهم.
فزع رستم
Page 90