Mawsūʿat al-akhlāq waʾl-zuhd waʾl-raqāʾiq
موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق
ذهب بعض الناس إلى قاض، وقالوا له: لقد سرق أحد التجار، وأمسكنا هذين الرجلين، ونشك فيهما، ولا نعرف أيهما السارق، فأمر القاضي الجميع بالانتظار بحجة أنه يريد أن يشرب الماء، وطلب من خادمه أن يحضر زجاجة ماء، ولما أحضرها أخذها القاضي ورفعها إلى فمه، وبدأ يشرب، وفجأة ترك القاضي الزجاجة، فسقطت على الأرض وانكسرت، وأحدثت صوتا مفزعا، واندهش الحاضرون من تصرف القاضي المفاجئ، بينما أسرع القاضي نحو أحد الرجلين، وأمسكه، وقال له: أنت السارق، وأصر على ذلك، حتى اعترف الرجل ثم سأله: كيف عرفت أنني السارق؟ فقال القاضي: لأنك لم تفزع عند سقوط الزجاجة على الأرض، واللصوص قلوبهم قاسية جامدة، أما زميلك فقد خاف وارتعد، عندئذ عرفت أنك السارق.
قمة في حسن التخلص
اقتحم الخوارج مسجد الكوفة، وهم يقتلون المسلمين ويبيحون دماءهم وأموالهم وأحاطوا بحلقة أبي حنيفة وقد جردوا سيوفهم.
واتجهوا إلى رأس الحلقة أبي حنيفة، وكان رابط الجأش كأن لم يحدث شيء، في الوقت الذي فزع الناس من حوله، فأشار أبو حنيفة إلى جلسائه بالثبات، فثبتوا ، وقال رئيس الخوارج مخاطبا أبا حنيفة: ما أنتم؟
فأجاب أبو حنيفة في سرعة: نحن مستجيرون.
فقال أمير الخوارج: دعوهم وأبلغوهم مأمنهم واقرأوا عليهم القرآن، وكان الخوارج عباد نصوص، يقرأونها ولا يفهمون روحها، فهم نظروا إلى ظاهر قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} [التوبة: 6] وقد فطن أبو حنيفة إلى ذلك فأجابهم بما يعلم أنه يقنعهم وينجي نفسه وأصحابه من شرهم.
عجبا لأولئك الخوارج الذين روعوا الآمنين، يقتلون المسلمين ويتركون المشركين المستجيرين، فلا بأس على أبي حنيفة حين يقول لهم: نحن مستجيرون (¬1).
هل تستطيع التخلص من المواقف الصعبة بحكمة؟
مروءة وذكاء
Page 117