536

Mawsūʿat al-akhlāq waʾl-zuhd waʾl-raqāʾiq

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

قصة يرويها صاحبها فيقول: أنا شاب أردني، قدمت إلى السعودية (تبوك) بحثا عن عمل، ولم أكن آنذاك مسلما حقيقيا، وإنما كنت مسلما بالوراثة كحال كثير من المسلمين في هذا الزمن العصيب. في البداية عملت في أحد المطاعم، ثم طلب مني صاحب المطعم أن أعمل في محل له لبيع أشرطة الفيديو، وما أدراك ما أشرطة الفيديو! وما فيها من الخلاعة والمجون، وفي إحدى الليالي، دخل علي شاب مشرق الوجه، بهي الطلعة، تبدو عليه علامات الصلاح والالتزام. وعجبا، ماذا يريد هذا الشاب؟ قلتها في نفسي. مد هذا الشاب يده وصافحني بحرارة، وقد علت محياه ابتسامة رائعة، تأسر القلب، وتزيل الوحشة، وتحطم الحواجز النفسية التي كثيرا ما تقف حائلا تمنع وصول الخير إلى من هم في أمس الحاجة إليه، ثم نصحني نصيحة موجزة، وحذرني من عاقبة مثل هذا العمل، وما يترتب عليه من إفساد للمجتمع، ونشر للرذيلة بين أفراده، وأن الله سيحاسبني على ذلك يوم القيامة، وبعد أن فرغ من حديثه، أهدى إلي شريطا عن "كرامات المجاهدين" .. كنت أسكن بمفردي، وأعاني من وحدة قاتلة، وقد مللت سماع الأغاني ومشاهدة الأفلام، فدفعني الفضول للاستماع لذلك الشريط .. وما إن انتهيت من سماعه حتى انتابني شعور بالخوف والندم، واكتشفت حقيقة حالي وغفلتي عن الله، وتقصيري تجاه خالقي سبحانه فانخرطت في البكاء، بكيت بكاء مرا كما يبكي الطفل الصغير من شدة الندم، لقد تحدث الشيخ عن كرامات المجاهدين وبطولاتهم وقد باعوا أنفسهم لله، وحملوا أرواحهم على أكفهم ليقدموها رخيصة في سبيل الله، فعقدت مقارنة بينهم وبين من ينشر الرذيلة والفساد، ويعيش كما تعيش البهائم لا هم له إلا إشباع شهواته البهيمية، الأدهى من ذلك أنني لم أركع لله ركعة واحدة منذ اثني عشر عاما مضت من عمري الحافل بالضياع والمجون، لقد ولدت تلك الليلة من جديد، وأصبحت مخلوقا آخر لا صلة له بالمخلوق السابق، وأول شيء فكرت فيه: التخلص من العمل في ذلك المحل، والبحث عن عمل شريف يرضي الله عز وجل، ولكن، أأنجو بنفسي وأدع الناس في غيهم وضلالهم؟ فرأيت أن أعمل في محل الفيديو سنة أخرى ولكنها ليست كالسنوات السابقة، لقد كنت في تلك السنة أنصح كل من يرتاد المحل بخطورة هذه الأفلام، وأبين لهم حكم الله فيها، راجيا أن يغفر الله لي، ولم تمض الأيام حتى جاء شهر رمضان .. هذا الشهر الذي لم أشعر بحلاوته إلا في هذه السنة؛ فقد أقبلت على قراءة القرآن، أما العمل فقد كان بجوار محل الفيديو الذي كنت أعمل فيه، تلك تسجيلات لبيع الأشرطة الإسلامية وما إن مضت السنة الخامسة حتى انتقلت إلى تلك التسجيلات الإسلامية .. وشتان بين العملين .. أما صاحب المحل السابق محل الفيديو فقد قمنا بنصحه وتذكيره بالله ونحمد الله أنه استجاب وترك المحل لوجه الله (¬1).

تفسير آية

جلس الحسن البصري ذات يوم في مسجد البصرة الكبير يفسر قوله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} [الحديد: 16] ثم وعظ الناس وعظا بليغا حتى أبكاهم وكان من بينهم شاب يقال له عتبة، فقام وقال: أيها الشيخ، أيقبل الله تعالى الفاسق الفاجر مثلي إذا تاب؟

فقال الحسن: نعم يقبل توبتك عن فسقك وفجورك، فلما سمع الشاب ذلك صاح صيحة وخر مغشيا عليه، فلما أفاق دنا الحسن البصري منه وقال له:

أيا شاب لرب العرش عاص ... أتدري ما جزاء ذوي المعاصي

سعير للعصاة لها زفير ... وغيظ يوم يؤخذ بالنواصي

فإن تصبر على النيران فاعصه ... وإلا كن عن العصيان قاصي

Page 153