608

Mawsūʿat al-akhlāq waʾl-zuhd waʾl-raqāʾiq

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

يعني بدأوا بالإهانة والتعذيب بشكل لا تتصوره، بصق في الوجه .. يحضرون صينية ويدقون بها فوق رأسي، كنوع من الإزعاج، يمسكون بعروق الرقبة ويجذبونها إلى أعلى بشكل سيئ ولم يكتفوا وأنا كما ترى، والضرب على صدري حتى صار صدري أزرق من شدة الضرب والتعذيب، ولم يكتفوا بذلك وإنما قاموا بإحضار الولد الذي أحضروه لخدمتي، وبطحوه أمامي في الغرفة، وركبوا عليه أربعة أخذوا يخنقونه ويضربونه، والولد يصرخ تحتهم، أعطوا له أمامي علقة ساخنة من الضرب والتعذيب، ثم أصبحوا يقولون لي: حرام عليك، ارحم ابنك، اعترف، خلاص القضية انتهت، حركة حماس انتهت، وأنت ليس هناك فائدة من إنكارك، اعترف وقل ما عندك حتى ترحم ابنك من الضرب والتعذيب، قلت لهم: أنا ليس عندي شيء لأقوله، فغابوا ساعتين ثم أحضروا الولد مرة أخرى وبدأوا بتعذيبه أمامي، فبطحوه أرضا، وركبوا فوقه وخنقوه، ومن شدة التعذيب على الولد الضعيف الصغير فوجئت به يثور ويقفز فجأة ويطرح الرجال الأربعة على الأرض -وهذا من شدة التعذيب يعني حرارة الروح- كان الولد يموت تحتهم، كان يختنق، بعدها أخذوه مرة أخرى من عندي (¬1).

ثبات ووفاء

ظل الأخ محمد الصوابي الديب متخفيا عن أعين الظالمين بعد أن أزهقت أرواح المجاهدين منهم تحت التعذيب حتى شهر ديسمبر عام 1954 م حين ذهب الساعة الثالثة ظهرا، وطرق باب منزل العلامة الشيخ حسنين مخلوف -مفتي الديار المصرية- الذي يقع في شارع نجيب بكوبري القبة بالقاهرة.

وحين فتح الخادم الباب عاد إلى الشيخ؛ ليخبره عن الطارق فيقول: إنه شاب طليق اللحية، رث الثياب، ويريد مقابلتك.

يقول الشيخ مخلوف: تعجبت من ذلك وظننت أنه عابر سبيل .. دخل الشاب المنزل، ولم أقابله في البداية، بل أعد له الخادم طعام الغداء فأكله بشهية كأنه لم يأكل منذ مدة طويلة .. بعد الغداء ظننت أنه سينصرف، إلا أنه أصر على مقابلتي وألح في ذلك، فذهبت إليه وما إن رأيته حتى ظننت أنه سيطلب صدقة، فقد كان رث الثياب تبدو عليه شدة التعب، بدأ حديثه بأن عرفني على نفسه: محمد الصوابي الديب طالب بكلية الشريعة بجامعة الأزهر .. ولقد اهتز بدني وأصبت برعشة عندما قال لي: "إنه كان من متطوعي الإخوان المسلمين في حرب فلسطين والقناة" فقد كان الإخوان المسلمون في ذلك الوقت -عام 1954 م- في أوج محنتهم، وكانت كلمة الإخوان المسلمين تترادف معها كلمات الاعتقال، السجن، التعذيب، المحاكمات .. إلخ.

نظر الشاب إلي في هدوء -والحديث للشيخ مخلوف- وقال بصوت منخفض ولكنه قوي: أنا في محنة وأحتاج إليك، فأنا مطلوب القبض علي، وقد مكثت أكثر من شهر هاربا متخفيا في المقابر نهارا، ثم أخرج في الليل لأقتات الطعام، لقد كرهت الحياة بين الموتى وأريد أن أعيش بين الأحياء فهل تقبلني؟

Page 225