ثم نرى إن كان الشيخ رشيد قد انتهج منهج أحد الفريقين أو سلك طريقًا آخر.
أولًا: منهج المتكلمين:
ذهب المتكلمون إلى أن مسألة المعرفة نظرية، وبنوا على ذلك نظرية جدلية، ذات مقدمات طويلة، معتاصة، ثم اختلفوا في هذه المقدمات، ولم يتفقوا على شيء منها، فقد ذهبوا إلى أن العالم حادث، ودليل حدوثه حدوث ما فيه من الجواهر والأعراض. قال الرازي ١: "قد عرفت أن العالم إما جوهر أو أعراض، وقد يستدل بكل واحد منها على وجود الصانع، إما بإمكانه أو حدوثه، فهذه وجوه أربعة.." ٢.
وهذا هو المقصود بالنظر عند المتكلمين، وظاهر أنه نظر عقلي جدلي، وهذا النظر هو اصطلاح لهم، وإلا فإن النظر الذي دعا إليه القرآن، ليس محله القضايا المنطقية الجدلية، وإنما محله الكون والإنسان.
وبعد ما ذكر الرازي القانون السابق طفق يستدل على كل جزئية من جزئياته، وما تفرع منها كذلك، ورغم أن منها ما هو بدهي لا يحتاج إلى إثبات كحدوث العالم بعد أن لم يكن.
ثانيًا: منهج الفلاسفة:
وافق الفلاسفة المتكلمين في "نظرية المعرفة" وإن كانوا خالفوهم في الطريق. فقد سلك الفلاسفة طريقًا آخر هو طريق الإمكان والوجوب، فقد قسموا العالم إلى ممكن وواجب بدلًا من قديم وحادث، قال ابن سينا: "ما
١ تقدمت ترجمته (ص: ٣٤١)
٢ المحصل (ص:٣٣٧) ط. دار التراث، وانظر أيضًا الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر (ص: ٨١ - ٨٣)، ط. الجامعة الإسلامية، والباقلاني: التمهيد (ص: ٤٣)، والبغدادي: أصول الدين (ص: ٦٨)، والإيجي: المواقف (ص: ٢٦٦)، والبيجوري: شرح جوهرة التوحيد (ص: ٤٨) ومصطفى صبري: موقف العقل (٢/ ١٦٥) وما بعدها، وانظر أيضًا: ابن تيمية: النبوات (ص: ٧٢ و٧٧) ط. دار العلم، بيروت. ودرء التعارض (٧/ ٣١١)