312

Minhāj al-qāṣidīn

منهاج القاصدين

============================================================

(312) منهاج القاصدين وتفيد الصادهين مناجاته، فيتلذذ به، وكذا الذي يخلو بالملك ويعرض عليه حاجاته في فجنح الليل يتلذذ به في رجاء إنعامه، والرجاء في حق الله أصدق، وما عند الله أبقى مما عند غيره، فكيف لا يلتذ بعرض الحاجات إليه في الخلوات؟!

وأما النقل، فتشهذ له أحوال قوام الليل في تلذذهم بقيام الليل، واستقصارهم له، كما يستقصر المحب ليلة وصال الحبيب حتى قيل لبعضهم: كيف أنت والليل؟

فقال: يريني وجهه ثم ينصرف وما تأملثه بعد. وقال آخر: أنا والليل فرسا رهان، مرة يسبقني إلى الفجر، ومرة يقطعني عن الفكر، وقال علي بن بكار: منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء إلا ظلوع الفجر. وقال الفضيل: إذا غربت الشمس فرحث بالظلام لخلوتي بربي، وإذا طلعت حزنث لدخول الناس علي. وقال أبو سليمان: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وأوحى الله عز وجل إلى بعض من أوحى إليه: إن لي عبادا من عبادي (1) يحبوني وأحبهم، ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم، ويذكروني وأذكرهم، وينظرون إلي وأنظر إليهم، فإن حذوت طريقهم أحببتك، وإن عدلت عنهم مقتك. قال: يا رب، وما علامتهم؟ قال: يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الظير إلى أوكارها، فإذا جنهم(2) الليل، واختلط الظلام، وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا لي أقدامهم، وافترشوا لي وجوههم، وناجوني بكلامي، وتملقوني بانعامي، فبين صارخ وباك، وبين متأوه وشاك، بعيني ما يتحملون من أجلي، وبسمعي ما يشكون من خحبي، إن أول ما أعطيهم أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم، والثانية: لو كانت السماوات السبع والأرضون وما فيهما في موازينهم لاستقللتها لهم، والثالثة: أقبل عليهم بوجهي، فترى من آقبلت بوجهي عليه أيعلم أحد ما أريد أن أعطيه؟

وشكى بعض المريدين إلى شيخه طول سهر الليل، وسأله ما يجتلب به النوم، فقال له: يا بني، إن لله نفحات في الليل والنهار تصيب القلوب المتيقظة وتخطئ (1) في (ظ): لاعبيدي.

(2) جنهم الليل: أي سترهم وأظلم عليهم.

Page 312