أحوال كل واحد واحد منهم باطنا وظاهرا، وحسناته وسيئاته واجتهاداته، أمر يتعذر علينا معرفته؟! فكان كلامنا في ذلك كلاما فيما لا نعلمه، والكلام بلا علم حرام، فلهذا كان الإمساك عما شجر بين الصحابة خيرا من الخوض في ذلك بغير علم بحقيقة الأحوال، إذ كان كثير من الخوض في ذلك - أو أكثره - كلاما بلا علم، وهذا حرام لو لم يكن فيه
هوى ومعارضة الحق المعلوم، فكيف إذا كان كلاما بهوى يطلب فيه دفع الحق المعلوم؟
وأما قوله: ((وأذاعت سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)) فلا ريب أن الله تعالى يقول: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير} (1) .
وقد ثبت في الصحيح عن عمر أنها عائشة وحفصة (2) .
فيقال: أولا: هؤلاء يعمدون إلى نصوص القرآن التي فيها ذكر ذنوب ومعاص بينة لمن نصت عنه من المتقدمين يتأولون النصوص بأنواع التأويلات، وأهل السنة يقولون: بل أصحاب الذنوب تابوا منها ورفع الله درجاتهم بالتوبة.
وهذه الآية ليست أولى في دلالتها على الذنوب من تلك الآيات، فإن كان تأويل تلك سائغا كان تأويل هذه كذلك، وإن كان تأويل هذه باطلا فتأويل تلك أبطل.
ويقال: ثانيا: بتقدير أن يكون هناك ذنب لعائشة وحفصة، فيكونان قد تابتا منه. وهذا ظاهر لقوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} ، فدعاهما الله تعالى إلى التوبة، فلا يظن بهما أنهما لم يتوبا، مع ما ثبت من علو درجتهما، وأنهما زوجتا نبينا في الجنة، وأن الله خيرهن بين الحياة الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والدار الآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولذلك حرم الله عليه أن يتبدل بهن غيرهن، وحرم عليه أن يتزوج عليهن، واختلف في إباحة ذلك له بعد ذلك، ومات عنهن وهن أمهات المؤمنين بنص القرآن. ثم قد تقدم أن الذنب يغفر ويعفى عنه بالتوبة وبالحسنات الماحية وبالمصائب المكفرة.
ويقال: ثالثا: المذكور عن أزواجه كالمذكور عمن شهد له بالجنة من أهل بيته وغيرهم
Page 191