فلا رزية في حقه، ولله الحمد.
ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي فهو ضال باتفاق عامة الناس من علماء السنة والشيعة. أما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه. وأما الشيعة القائلون بأن عليا كان هو المستحق للإمامة، فيقولون: إنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصا جليا ظاهرا معروفا، وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب.
وإن قيل: إن الأمة جحدت النص المعلوم المشهور، فلأن تكتم كتابا حضره طائفة قليلة أولى وأحرى.
وأيضا فلم يكن يجوز عندهم تأخير البيان إلى مرض موته، ولا يجوز له ترك الكتاب لشك من شك، فلو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته، لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبينه ويكتبه، ولا يلتفت إلى قول أحد، فإنه أطوع الخلق له، فعلم أنه لما ترك الكتاب لم يكن الكتاب واجبا، ولا كان فيه من الدين ما تجب كتابته حينئذ، إذ لو وجب لفعله، ولو أن عمر - رضي الله عنه - اشتبه عليه أمر، ثم تبين له أوشك في بعض الأمور، فليس هو أعظم ممن يفتي ويقضي بأمور ويكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حكم بخلافها، مجتهدا في ذلك، ولا يكون قد علم حكم النبي صل الله عليه وسلم؛ فإن الشك في الحق أخف من الجزم بنقيضه.
وكل هذا إذا كان باجتهاد سائغ كان غايته أن يكون من الخطأ الذي رفع الله المؤاخذة به. كما قضى علي في الحامل المتوفى عنها زوجها أنها تعتد أبعد الأجلين، مع ما ثبت في الصحاح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما قيل له: إن أبا السنابل بن بعكك أفتى بذلك لسبيعة الأسلمية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كذب أبو السنابل، بل حللت فانكحي من شئت)) (1) . فقد كذب النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الذي أفتى بهذا. وأبو السنابل لم يكن من أهل الاجتهاد، وما كان له أن يفتي بهذا مع حضور النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأما علي وابن عباس رضي الله عنهما وإن كانا أفتيا بذلك، لكن كان ذلك عن اجتهاد، وكان ذلك بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن بلغهما قصة سبيعة.
Page 275