هؤلاء الستة أحق من غيرهم، وهو كما رأى؛ فإنه لم يقل أحد أن غيرهم أحق منهم. وجعل التعيين إليهم خوفا أن يعين واحدا
منهم ويكون غيره أصلح لهم، فإنه ظهر له رجحان الستة دون رجحان التعيين، وقال: الأمر في التعيين إلى الستة يعينون واحدا منهم.
وهذا أحسن اجتهاد إمام عالم عادل ناصح لا هوى له رضي الله عنه.
وأيضا فقد قال تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} (1) ، وقال: {وشاورهم في الأمر} (2) . فكان ما فعله من الشورى مصلحة، وكان ما فعله أبو بكر رضي الله عنه من تعيين عمر هو المصلحة أيضا؛ فإن أبا بكر تبين له من كمال عمر وفضله واستحقاقه للأمر ما لم يحتج معه إلى الشورى، وظهر أثر هذا الرأي المبارك الميمون على المسلمين. فإن كل عاقل منصف يعلم أن عثمان أو عليا أو طلحة أو الزبير أو سعدا أو عبد الرحمن بن عوف لا يقوم مقام عمر، فكان تعيين عمر في الاستحقاق كتعيين أبي بكر في مبايعتهم له.
ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((أفرس الناس ثلاثة: بنت صاحب مدين حيث قالت: {يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} (3) ، وامرأة العزيز حيث قالت: {عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا} (4) وأبو بكر حيث استخلف عمر)) .
وأما عمر رضي الله عنه فرأى الأمر في الستة متقاربا، فإنهم وإن كان لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض، فلذلك المفضول مزية أخرى ليست للآخر، ورأى أنه إذا عين واحدا فقد يحصل بولايته نوع من الخلل، فيكون منسوبا إليه، فترك التعيين خوفا من الله تعالى وعلم أنه ليس واحد أحق بهذا الأمر منهم فجمع بين المصلحتين بين تعيينهم إذ لا أحق منهم، وترك تعيين واحد منهم لما تخوفه من التقصير.
ولا ريب أن الستة الذين توفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض، الذين عينهم عمر، لا يوجد أفضل منهم، وإن كان في كل منهم ما كرهه، فإن غيرهم يكون فيه من المكروه أعظم. ولهذا لم يتول بعد عثمان خير منه ولا أحسن
سيرة، ولا تولى بعد علي خير منه، ولا تولى ملك من ملوك المسلمين أحسن سيرة من معاوية رضي الله عنه، كما ذكر الناس سيرته
Page 288