ومن المعلوم أنه إن كان تولية الأقربين منكرا، فتولية الخلافة العظمى أعظم من إمارة بعض الأعمال، وتولية الأولاد أقرب إلى الإنكار من تولية بني العم. ولهذا كان الوكيل والولي الذي لا يشتري لنفسه لا يشتري لابنه أيضا في أحد قولى العلماء، والذي دفع إليه المال ليعطيه لمن يشاء لا يأخذه لنفسه ولا يعطيه لولده في أحد قوليهم.
وكذلك تنازعوا في الخلافة: هل للخليفة أن يوصي بها لولده؟ على قولين. والشهادة لابنه مردودة عند أكثر العلماء. ولا ترد الشهادة لبني عمه. وهكذا غير ذلك من الأحكام.
وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أنت ومالك لأبيك)) (1) . وقال: ((ليس لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما وهبه لولده)) (2) .
فإن قالوا: إن عليا رضي الله عنه فعل ذلك بالنص.
قيل: أولا: نحن نعتقد أن عليا خليفة راشد، وكذلك عثمان. لكن قبل أن نعلم حجة كل منهما فيما فعل، فلا ريب أن تطرق الظنون والتهم إلى ما فعله علي أعظم من تطرق التهم والظنون إلى ما فعله عثمان.
وإذا قال لقائل: لعلي حجة فيما فعله.
قيل له: وحجة عثمان فيما فعله أعظم. وإذا ادعي لعلي العصمة ونحوها مما يقطع عنه ألسنة الطاعنين، كان ما يدعى لعثمان من الاجتهاد الذي يقطع ألسنة الطاعنين أقرب إلى المعقول والمنقول.
فإن الرافضي يجيء إلى أشخاص ظهر بصريح المعقول وصحيح المنقول بأن بعضهم أكمل سيرة من بعض، فيجعل الفاضل مذموما مستحقا للقدح، ويجعل المفضول معصوما مستحقا للمدح، كما فعلت النصارى: يجيئون إلى الأنبياء صلوات الله عليهم، وقد فضل الله بعضهم على بعض، فيجعلون المفضول إلها والفاضل منقوصا دون الحواريين الذين صحبوا المسيح، فيكون ذلك قلبا للحقائق. وأعجب من ذلك أنهم يجعلون الحواريين الذين ليسوا أنبياء معصومين عن الخطأ، ويقدحون في بعض الأنبياء كسليمان وغيره.
Page 297