156

Al-Masawadda fī uṣūl al-fiqh

المسودة في أصول الفقه

Editor

محمد محيى الدين عبد الحميد

Publisher

المدني

Publisher Location

القاهرة

قال شيخنا اختلف قول القاضى كسائر العلماء فى قوله

﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم

فلما احتج بها الشافعى على أن الله جعل السنة بيانا للقرآن فلا يجوز أن يكون القرآن بيانا للسنة قال القاضى المراد به التبليغ ويبين صحى ذلك أنه يجوز تخصيص السنة بالقرآن وكذلك يجوز تفسير مجمل السنه به واحتج على تأخير البيان بقوله ( ثم ان علينا بيانه ) فقيل له معناه ثم ان علينا اظهاره واعلانه لانه اشترط ذلك فى جميع القرآن فقال حقيقة البيان هو اظهار الشيء من الخفاء إلى حالة التجلى والاظهار وهذا انما يكون فيما يفتقر إلى البيان فأما ما هو مبين فلا يوجد فيه وقوله انه اشترط ذلك فى جميع القرآن فلا يمتنع أن يكون المراد بعضه كما قال ( لتبين للناس ما نزل اليهم ) والمراد بعضه قال شيخنا قلت هذا ضعيف بخلاف تفسير ابن عباس ولا دلالة فى الآية على محل النزاع

فصل

( شيخنا ) قولهم تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ونقل الاجماع على ذلك ينبغى أن يفهم على وجهه فان الحاجة قد تدعوا إلى بيان الواجبات والمحرمات من العقائد والاعمال لكن قد يحصل التأخير للحاجة أيضا اما من جهة المبلغ أو المبلغ أما المبلغ فانه لا يمكنه أن يخاطب الناس جميعا ابتداء ولا يخاطبهم بجميع الواجبات جملة بل يبلغ بحسب الطاقة والامكان وأما المبلغ فلا يمكنه سمع الخطاب وفهمه جميعا بل على سبيل التدريج وقد يقوم السبب الموجب لامرين من اعتقادين أو عملين أو غير ذلك لكن يضيق الوقت عن بيانهما أو القيام بهما فيؤخر أحدهما للحاجة أيضا ولا يمنع ذلك أن الحاجة داعية إلى بيان الآخر نعم هذه الحاجة لا يجب أن تستلزم حصول العقاب على الترك ففى الحقيقة يقال ما جاز تأخيره لم يجب فعله على الفور لكن هذا لا يمنع قيام الحاجة التى هى سبب الوجوب لكن يمنع حصول الوجوب لوجود المزاحم الموجب للعجز ويصير كالدين على معسر أو كالجمعة على المعذور

وأيضا فانما يجب البيان على الوجه الذى يحصل المقصود فاذا كان فى الامهال والاستثناء من مصلحة البيان ما ليس فى المبادرة كان ذلك هو البيان المأمور به وكان هو الواجب أو هو المستحب مثل تأخير البيان للاعرابي المسىء فى صلاته إلى ثالث مرة وأيضا فانما يجب التعجيل اذا خيف الفوت بأن يترك الواجب المؤقت حتى يخرج وقته ونحو ذلك

Page 163