أما الماضي المفسّر والغابر المزور فقد أوضح شارح الكافي معناهما بقوله: "يعني: الماضي الذي تعلق علمنا به وهو كل ما كان مفسرًا لنا بالتفسير النبوي، والغابر المزبور الذي تعلق علمنا به هو كل ما يكون مزبورًا مكتوبًا عندنا بخط علي ﵁ وإملاء الرسول وإملاء الملائكة مثل الجامعة وغيرها".
فبهذا يتبين أن العلم المستودع عند الأئمة نوعان: كتب ورثوها عن النبي، أو علم تلقوه مشافهة منه ﷺ. وفحوى هذا الاعتقاد الذي يعتبر من ضرورات مذهبهم وأركان دينهم أن رسول الله ﷺ بلغ جزءًا من الشريعة وكتم الباقي وأودعه الإمام عليًا فأظهر علي منه جزءًا في حياته، وعند موته أودعه الحسن وهكذا كل إمام يظهر منه جزءًا حسب الحاجة ثم يعهد الباقي لمن يليه إلى أن صار عند إمامهم المنتظر.
وقد مر بنا ما قاله شيخهم وآيتهم محمد بن حسين آل كاشف الغطا (ت١٣٧٦هـ) من أن الأحكام في الإسلام قسمان: قسم أعلنه النبي ﷺ للصحابة، وقسم كتمه أودعه أوصياءه، كل وصي يخرج منه ما يحتاجه الناس في وقته ثم يعهد به إلى من بعده، حتى زعم أن النبي ﷺ قد يذكر حكمًا عامًا ولا يذكر مخصصه أصلًا؛ بل يودعه عند وصيه إلى وقته (١) .
وقال شيخهم المعاصر بحر العلوم: "لما كان الكتاب العزيز متكفلًا بالقواعد العامة دون الدخول في تفصيلاتها، احتاجوا إلى سنة النبي.. والسنة لم يكمل بها التشريع!!، لأن كثيرًا من الحوادث المستجدة لم تكن على عهده ﷺ احتاج أن يدخر علمها عند أوصيائه ليؤدوها عنه في أوقاتها" (٢) .
(١) انظر: أصل الشيعة: ص٧٧، وانظر ص ١٤٦ من هذه الرسالة
(٢) بحر العلوم/ مصابيح الأصول: ص ٤، وأقوال شيوخهم في هذا المعنى كثيرة، فيقول - مثلًا - آيتهم العظمى شهاب الدين النجفي: "إن النبي ﷺ ضاقت عليه الفرصة ولم يسعه المجال لتعليم جميع أحكام الدين.. وقد قدّم الاشتغال بالحروب على التمحص (كذا) ببيان تفاصل الأحكام.. لاسيما مع عدم كفاية استعداد الناس في زمنه لتلقي جميع ما يحتاج =