.. فليس فى الآية دليل على تسلط الشيطان على النبى ﷺ، لأن فعل الشيطان فى هذا النسيان، لا يعدو أكثر من شغل خاطره ﷺ وتذكيره أكثر فأكثر بحرصه على إسلام قومه، مع شدة كفرهم وعنادهم، وطعنهم فى آيات الله ﷿، فيكون شغله وتذكيره بهذا الحرص، سببًا فى نسيان الإعراض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غير حديث القرآن الكريم، وهذا ما يقتضيه سياق الآية الكريمة: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخضوا فى حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ (١) كما أن هذا المعنى هو ما يقتضيه واقع حال النبى ﷺ فى دعوته.
... والنسيان فى هذه الحالة لا طلب عليه فى الشرع، ولا ذم بالإجماع، كما أنه لا يتعارض مع عصمته ﷺ.
... فالسهو والنسيان من الأنبياء فى الأفعال البلاغية، والأحكام الشرعية جائز فى حقهم، وهو ظاهر القرآن الكريم، والسنة النبوية، وهو مذهب جمهور العلماء من الفقهاء والمتكلمين (٢) .
... وفرقوا بين ذلك، وبين السهو فى الأقوال البلاغية: فأجمعوا على منعه، كما أجمعوا على امتناع تعمده، لقيام المعجزة على الصدق فى القول، ومخالفة ذلك تناقضها.
(١) الآيتان ٦٧، ٦٨ الأنعام.
(٢) ولم يخالف فى ذلك إلا الشيعة وغيرهم ممن سبق ذكرهم هامش ص١٣٩.