يريد السيف. ووصف الدرع بالاطراد لتتابع سردها على حدٍ واحد، لا اختلاف في حلقها، ولا تفاوت في نظمها. وجعلها مبهمًا لإحكامها.
فلما رأيت الصبر قد حيل دونه ... وإن كان يومًا ذا كواكب مظلمًا
يقول: لما رأيت الأمر مستفحلًا، والخطب عظيما مستفظعًا، والصبر عامًا لنا كلنا، مغلوبًا عليه ممنوعًا، صبرنا نحن من بين أصحابنا على عادتنا المعهودة منا، ووطنا أنفسنا على الشر. ويجوز أن يريد بقوله " لما رأيت الصبر قد حيل دونه " لما رأيت الوقت وقتًا يعال فيه الصبر، ويجال بين طالبيه وبينه. وقوله " وإن كان يومًا ذا كواكب مظلمًا " اعتراضٌ بين لما وجوابه، وهو شرطٌ في وقوع الصبر منهم يترجم عن الحال. أي صبرنا وإن كان اليوم يومًا مظلمًا ترى فيه الكواكب ظهرًا، لانسداد عين الشمس بغبار الموت. وجواب الجزاء استغنى عنه بجواب لما. وروى بعضهم: " وأن كان يومًا " بفتح الهمزة على أن يكون أن مخففة من الثقيلة، والمراد وأنه كان اليوم يومًا ذا كواكب. وهذا الراوي لعله لم يعرف الاعتراضات والفصاحة فيها، والتبس المعنى عليه أيضًا.
صبرنا وكان الصبر منا سجيةً ... بأسيافنا يقطعن كفًا ومعصما
يقول: حملنا أنفسنا على المكروه، وحبسناها في مجال الموت والشر، وكان ذلك منا عادةً وطبيعةً. وقوله " أسيافنا " يجوز أن يتعلق الباء منه بصبرنا، واعترض بينهما قوله " وكان الصبر منا سجيةً "، إذ كان أراد أن يبين أن ذلك الفعل ليس بمستبدعٍ ولا مستنكرٍ من أخلاقهم. ويجوز أن يتعلق بما دل عليه " وكان الصبر منا سجيةً ". ويقطهن في موضع الحال للأسياف على الوجهين جميعًا. وفي طريقته قول نهشل بن حريٍ:
ويوم كأن المصطلين بحره ... وإن لم يكن نارٌ قعودٌ على جمر
صبرنا له حتى يبوخ وإنما ... تفرج أيام الكريهة بالصبر
نفلق هامًا من أناسٍ أعزةٍ ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
يقول: نشقق هاماتٍ من رجالٍ يكرمون علينا ويعزون، لما يجمعنا وإياهم من الأحوال الوكيدة، والحرم القوية بالأنساب والأسباب، وهم كانوا أشد عقوقًا وأتم