373

البحث الأول:

في الصلة وذلك من وجهين: أحدهما أنه لما ذكر في الفصل الماضي أن الدماغ يندفع مادته من منافذ قريبة منه، قال في هذا الفصل وقد يدفع العضو مادته في منافذ بعيدة منه كما في هذه الصورة. وأعلم أن هذا الدفع أجود من الأول فإنه يتبعه نقاء العضو الضعيف من مادته المرضية بالكلية بخلاف الأول. فإنه لا بد أن يبقي منه بقية ولو ما يتلطخ منها بمنافذة ولذلك لما كان حال الدفعين كذلك عبر في هذا الموضع بعبارة أجود من عبارة في الدفع الأول. فقال «محمودا فيهم» وقال في الأول «انحل بذلك مرضه» فإن الانحلال يحتمل أن يكون يريد به PageVW5P284B الخفة ونقصان المرض وذلك قد يكون لنقصان المادة لالزوالها بالكلية، وقد يكون لزوالها بالكلية بخلاف قوله محمودا فإنها لفظة دالة على السلامة أكثر من دلالة الأول عليها وثانيها أنه ذكر في الفصل الماضي مرضا من أمراض الدماغ أعقبه السلامة. وفي هذا الفصل ذكر مرضا أخر من أمراضه أعقبه ذلك.

البحث الثاني:

مراده بالوسواس السوداوي على ما ذكره حنين هو تغير الظنون والفكر عن الحالة الطبيعية إلى الفساد وإلى الخوف وهو المعروف بالماليخوليا. والسرسام وهو المسمي باليونانية فرانيطس وهو عبارة عن ورم أحد حجابي الدماغ أو جرمه على ما عرفت ويلزمه اختلاط العقل وقد جاء في بعض النسخ عرض (106) السرسام البرسام وهو خطاء. فإن كلام أبقراط في أمراض الدماغ والبرسام من أمراض الصدر. وأصحاب هذه العلل إذا حدث لهم (107) البواسير انتفعوا به من وجهين. أحدهما من جهة عكس المادة ميلها إلى خلاف الوجع وثانيهما من جهة استفراغ مادتهما. وقوله «كان ذلك دليلا محمودا فيهم» لأن حدوث البواسير ليس هو دليلا محمودا فيمن لم يلزمه ذلك. قال الرازي رحمة الله عليه: «السرسام لا يكون عن الدم الغليظ المستفرغ بالبواسير بل حدوثه في الأكثر عن مواد لطيفة صفراوية أو دم رقيق.» وإذا كان كذلك فكيف يجوز أن يقال أن البواسير نافعة في ذلك؟ قلنا الأمر وإن كان كذلك لكن السرسام يلزمه احتراق المواد بسبب قوة الحرارة فمتى انحدرت هذه المادة إلى أسفل انتفع صاحبه بخروجها، وأيضا فإن تلك المواد وإن كانت لطيفة فإنها تخرج بطريق الاستتباع ومع هذا جميعه. فإن عكس المواد إلى خلاف الجهة نافع جدا منذر بزوال المرض المخالف والله أعلم.

12.

[aphorism]

قال أبقراط: من عولج من بواسير مزمنة حتى يبرأ ولم (108) يترك منها واحد فلا يؤمن عليه أن يحدث به استسقاء أو سل.

[commentary]

الشرح: أما الصلة فهي أنه لما ذكر في الفصل الماضي البواسير ذكر (109) في هذا الفصل الطريق في معالجتها أن استمر وجودها بصاحب المرض المذكور PageVW5P285A فإن من حصل له المرض المذكور نادر أن لا يستمر به لأن موضعه هو جهة ميل المادة بطبعها بل (110) نقول دم البواسير دم فاسد مائل إلى السوداء (111). فإذا اعتادت الطبيعة لدفعه استراحت الأعضاء الأخر منه (112) وسلمت من أذنيه وقوله مزمنة أي طويلة المدة لأنها متى كانت قريبة العهد بالحدوث لم PageVW1P157B يضر قطع الجميع فمثل هذه البواسير إذا عولجت الواجب أن يترك منها واحد وذلك لأن في قطع كلها حبس المادة المحتاجة الخروج منها وقد عرفت أن هذه المادة فاسدة رديئة الكيفية فمتى احتبست في البدن احدثت احوالا رديئة أكثرها وأشهرها الاستسقاء والسل ولذلك خصصهما أبقراط بالذكر. أما الأول فلأن الدم المذكور إذا حصل له ذلك رجع القهقر إلى الكبد وأفسد مزاجها ثم إنه بعد ذلك إما أن يورمها أو لا يورمها فإن ورمها كان الورم الحاصل منه ورما سوداويا فيحدث الاستسقاء من جهة أنه يضعف هضمها ويمنع القوة المميزة من تمييز المواد بعضها عن بعض فينفذ إلى جهة الأعضاء وهو بهذه الصورة لا شك أنه متى كان كذلك خرج عن الصلاحية لتغذية الأعضاء فيتولد منه الاستسقاء لأن القوى وإن قدرت على تشبيهه لكنها تعجز عن الصاقه فإن هذا القدر حاصل من القوة المغيرة في الاستسقاء وفي البرص بعكس هذا وهو أنه قد (113) حصل فيه الالتصاق ولم يحصل التشبيه. وأما عدمها لأمرين معا فكما في العلة المسماة باليونانية بأطروفيا وبالعربية الهلاس. وإن لم يورمها غمرت حرارتها وطفاتها أو أضعفتها صنيع الحطب الكثير بالنار القليلة لا سيما والمادة العامرة فاسدة. فإن الصالحة إذا أكثر مقدارها فعلت ذلك فضلا عن الفاسدة وحينئذ تفعل ما يفعله الورم في احداث الاستسقاء. وأما إيجاب ذلك للسل فهو أن الكبد إذا قويت عليها ودفعتها عن نفسها فإنها عند ذلك تميل إلى الأعضاء القابلة لها وأقبلها لها الرئه لأنها متخلخلة ودائما الحركة فتقرحها لحدتها وشدة أذيتها (114) نكايتها وتحدث السل. وقد يوجب بوجه أخر وهو أنها ربما مالت إلى الدماغ PageVW5P285B وأوجبت نزلات حادة إلى جهة الرئه وقرحتها و أوقعت في السل والذي علمناه في هذا الفصل أن أستمرار دم البواسير رديء من جهة أنه يوقع في فساد المزاج وتجحف بالقوى ومنعه بالكلية رديء من جهة ما ذكرنا، بل النافع في ذلك ما توسط بين ذلك وهو أن يخلي منها واحد ليسيل منها ما كان معتاد الانصباب إلى الأسافل ولا يجحف بالقوة لقلة مقدار الخارج هذا كله إن كانت البواسير أكثر من واحدة. وإن كانت واحدة وكان مزمنا فينبغي أن ينظر في الدم الخارج منه فإن كان كثير المقدار بحيث أن يخاف منه أن يجحف بالقوة. فالواجب قطعها لكن بعد تنقية البدن من المادة السوداوية ثم إصلاح مزاج الكبد وإن لم يكن الخارج منها كثيرا فلا يجب الخارج منه إلى في النادر إذا كانت البواسير مزمنة إن يكون واحدا لأن المادة السوداوية إذا اعتادت الميل إلى جهة السفل فلما تخرج من موضع واحد بحيث أنها توجب باسورا واحدا. ولما كان كلام الإمام في البواسير المزمنة قال «من عولج من بواسير» ولم يقل «من باسور» ثم قال يترك منها واحد لأنها متى كذلك نادر أن تكون واحدا وقد علمت أن قوانين الطب أكثرية والله أعلم.

13.

Unknown page