439

34

[aphorism]

قال أبقراط: من كان فوق بوله عبب دل على أن علته في الكلى وأنذر منها بطول.

[commentary]

الشرح: أما الصلة فهي أن الإمام أبقراط لما تقدم كلامه في الفصول الماضية فيما يدل على طول المرض * وعلى (178) قصره وعلى عاقبته مطلقا ذكر في هذه الثلاثة الفصول الآتية ما يدل على طول مرض معين وقصره وردائه على ما سيظهر لك عند تمام شرحها. والعبب هو الزبد الكبار، وقد عرفت أن الزبد سببه اشتباك الأجزاء الهوائية بالأجزاء المائية اشتباكا على وجه لا يقوي الريح على مفارقة الرطوبة صاعدة ولا يقوي الرطوبة على الرسوب في الريح نازلة. وهذا القدر حصوله من الرطوبة كائن عند تصغر أجزائها جدا إذا الأجزاء الكبار تقوي على الانفصال فينفجر العبب ويزول. فإن كانت الرطوبة غليظة لزجة الريح غليظة بطية الحركة كان العبب الحاصل بطيء الانفصال، وإن كان بالعكس فبالعكس. فالحاصل ان العبب حادث عن مادة لزجة وريح غليظة، ثم الزبد له مواطن خمسة. الأول في اليرقان، وسببه فعل الحرارة في المادة الغليظة الموجبة للسدة، ويخص هذا سواد اللون مع شقره، فإن كان صاحب اليرقان قد استعمل شيئا من البقول كانت هي سبب ذلك، والثاني في ضعف الهضم المعدي، وسببه تحليل الأجزاء الريحية للأجزاء الغذائية. والثالث عند انحلال الأمراض * البلغمية (179) كالصرع والفالج والتشنج الامتلائي، فإن مواد هذه إذا تحللت هاجها حرارة * قليلة (180) أوجبت فيها ذلك ويخص هذا أن لا يدوم. والرابع ما ذكره جالينوس عن قوم من اليونان، وهو انفتاح * أفواه (181) PageVW5P334A بعض الشرايين التي في الكلى بسبب حدة البول وجرده، فيخرج الدم الذي في تجويفها ويخالط البول، وعندما يخالطه يوجب فيه ذلك بسبب ما فيه من الروح. ولا شك أن هذا منذر بطول المرض لأن الحام الشرايين متعذر لا سيما شرايين الكلى، فإنها ممر الفضلات البولية الحادة البورقية. والخامس عندما يكون في الكلى مرض حادث عن مواد غليظة لزجة. ومراد أبقراط بالعبب هو ما كان حادثا من هذه الصورة، فإنه هو الذي يدوم وينذر بطول المرض، ومثل هذا العبب لا يمكن أن يتولد فيما هو أعلى من الكلى ولا فيما هو دونها. أما الأول فلأن ما كان من المواد كذلك لطفت ورقت وتصغرت أجزاؤها بحرارة الكبد وطول المسافة. وأما الثاني فلأن الكلى إذا كانت صحيحة أنضجت المواد المارة بها نضجا تاما، وهذه لا يمكن أن يتولد عنها عبب هذا على تقدير أن لا يكون تقدم فساد هضم، وبالجملة سوء التدبير. إذا عفرت هذا، فنقول: ولأجل هذا خصص دلالة العبب بأمراض الكلى، وأما إنذاره بالطول فلما عرفته في سببي العبب، والله أعلم.

35

[aphorism]

قال أبقراط: من * رأى (182) فوق بوله * دسم (183) دل ذلك على أن في كلاه علة حادة.

[commentary]

الشرح: أما الصلة فهي أنه قد علم أن هذه الفصول الثلاثة دلالتها مخصوصة بأحوال الكلى غير أن الأول هو الذي قبل هذا يتضمن ذكر حالة دالة على طول مرضها، وهذا يتضمن ذكر ما يدل على حدثته، والذي بعده يدل على رداءته، وجعل ترتيب الفصول المتضمنة ما يخص الكلى على ترتيب * الفصول (184) المتضمنة لذكر البول الدال على أحوال البدن مطلقا، فإنه قدم أولا ما يدل على طول المرض، وهو الثفل الشبيه بالسويق، ثم ذكر ما يدل على قصره، وهو الثفل الأصفر المذكور، ثم ما يدل على الردائة، وهو المتشتت، وكذلك فعل بما يخص الكلى قوله: «من روى فوق بوله دسم الدسومة التي ترى فوق البول تارة تكون من ذوبان شحم الكلى وتارة تكون من ذوبان شحم ما فوقها من الأعضاء وتارة من ذوبان لحم تلك الأعضاء. والمذيب لهذه حرارة قوية PageVW5P334B إذا الضعيفة لا يقدر على أن تفعل ذلك، لكن المذيب لرطوبات اللحم أقوى من المذيب للشحم لصلابة اللحم ويفرق بين الخارج من اللحم وبين الخارج من اللحم وبين الخارج من الشحم مطلقا بلون * الخارج (185) ، وهو أن الخارج من اللحم لونه مائل إلى الحمرة، ومن الشحم مائل إلى البياض». وأما الفرق بين الخارج من الكلى وبين الخارج مما فوقها فقد عرفته، وقد أشار إليه بقوله: جملة، غير أنه يجيب أن تعلم أن المفسرين قد اختلفوا في معنى الجملة هاهنا على جميع أنواع التفاسير يفهم الفرق بين الكائن من جهة الكلى ومما فوقها، فإن منهم من عنى بالجملة الاجتماع الذي هو مقابل التشتت، وهو حق. فإن الخارج من الكلى يكون مجتمع الأجزاء لقرب المسافة بخلاف الخارج مما فوقها، فإنه يكون متشتت الأجزاء لطول مروره مع المائية في المسافة البعيدة. PageVW1P174B +++ وقال قوم: «المعنى به الوقوع دفعة، وهو حق أيضا، فإن الكلى لقرب وضعها يكون خروج ما يخرج كذلك بخلاف ما فوقها، فإنه لبعد مسافته يكون الخارج منها قليلا قليلا، إلا في وقت البحران، فإنه يكون خروجه دفعة بحسب استيلاء الطبيعة، وتدرجها في النضج». فإذا كان في وقت البحران خرجت ذلك دفعة ثم ظهر النضج بعده دفعة. وقال قوم: «المعنى بها قصر الزمان الحاصل بين الخارجين، وهو حق، فإن الكلى لقربها لم يكن بين الخارجين منها زمان طويل بخلاف الخارج مما فوقها، فإنه يكون بين الخارج والخارج زمان * طويل (186) لبعد المسافة، ولما كان الحال كذلك، قال: إذا أظهر فوق البول دسم جملة فهو من كلاه لعلة حادة، وقد يخص هذا أمران أخران قد عرفتهما، وهو سخونة القطن ونضج البول، وأما كيفية خروج دسم شحم الكلى إلى تجويفها فقد عرفته، والله أعلم.

Unknown page