Sharḥ Fuṣūl Abūqurāṭ
شرح فصول أبقراط
[aphorism]
قال أبقراط: من تخير فيه بلغم فيما بين المعدة والحجاب وأحدث به وجعا إذ كان لا منفذ له ولا إلى واحد من الفضائين فإن ذلك البلغم إذا جرى * منه (287) في العروق إلى المثانة انحلت عنه علته.
[commentary]
الشرح: هاهنا مباحث أربعة.
البحث الأول:
في الصلة، وهي أن هذا الفصل يتضمن ما يتضمنه ما قبله من ذكر مرض مادتها منحصرة في وعاء ليس له منافذ محسوسة غير أن المادة المذكورة فيه مادة بلغمية والذي قبله مادة سوداوية والذي قبله مادة ريحية.
البحث الثاني:
قال جالينوس أما مارينوس فقد تخير في فهم هذا الفصل، فإنه قال «إن البلغم لا يمكن أن يجتمع فيما بين المعدة والحجاب وإن اجتمع فهو ينحدر إلى أسفل إلى أن يبلغم عظم للغاية لأنه يدخل إلى العروق كما يدخل الرطوبة الرقيقة المائية في أصحاب الاستسقاء فيها ويخرج بالبول». ثم قال: «إلا أنه وإن كان الأمر على هذا فينبغي أن يفهم من قوله «فيما بين المعدة والحجاب»، أي فيما بين جرم الحجاب الخالص الذي هو لحمي وهو المسمي بالصفاق وبين الغشاء الممدود على البطن كله الذي يسميه اليونان فاراطين. قال جالينوس: «إنا وإن فهمنا الأمر على ما قاله مارينوس فالشك في المصير ذلك البلغم إلى العروق قائم، فإن قال إن ذلك البلغم يجري في هذا الموضع إلى الكلى في العروق فليس هو من المحال بل هو أحرى أن يجري من الفضاء الذي في جوف الغشاء الممدود على البطن في العروق التي هناك مع هذا أيضا، فهذا النوع من الاستعارة للأسماء حتى يستعمل موضع الغشاء الممدود على البطن المعدة بعيدا جدا، فإنه ليس بين الغشاء المذكورة وبين المعدة PageVW5P247A تشابة البتة حتى يجوز نسبته أن نسمي ذلك الغشاء باسم المعدة، ثم قال: «والأولى عندي أن يفهم ما بين المعدة والحجاب الفضاء الذي هو دون الحجاب المعروف الصفاق في جوف الغشاء المعروف بقاراطين، فإن البلغم متى كان في هذا الموضع دفعته الطبيعة في العروق لأنها متى كانت قوية لم يعجزها طريق ينفذ فيه الشيء الذي تريد إنفاذه، وإذا كان الشيء غليظا والطريق ضيقا فإنها تدفع المادة في الوصل الذي بين الأعضاء، وإن كان عظاما ولذلك فهي تدفع المادة عن * فضاء (288) الصدر بالسعال بأن تلطف المادة قليلا قليلا.
البحث الثالث:
قال ابن أبي صاقد إنه في الممكن أن يكون أبقراط عنى بقوله «البلغم» الماء، فإنه يطلق لفظة البلغم على الاستسقاء كثيرا ويخبره فيما بين المعدة والحجاب ووقوفه بين الفضاء الذي فيما دون الحجاب في داخل الصفاق الممدود على البطن. وقد فهمت * في (289) الفصل القابل إذا كان بإنسان استسقاء فجرى منه الماء في عروقه إلى بطنه كان بذلك انقضاء مرضه، كيف يصير في هذا الموضع في العروق إلى المثانة؟ وهذا الكلام فيه نظر، فإنه لما أطلق لفظة البلغم في الفصل الماضي على الاستسقاء أراد به اللحمي فقط، والمذكور في الفصل الآخر الاستسقاء الرقي لا اللحمي، ومراده بالفضاء بين فضاء الصدر وفضاء البطن، والحق في هذا جميعه أن يقال إن الطبيعة متى كانت قوية فإنها تدفع المادة الحاصلة في العضو تارة في منافذ محسوسة وتارة في منافذ غير محسوسة، فالفضاء المذكور متى اجتمع فيه بلغم فإن الطبيعة متى كانت قوية أخرجته من منافذ غير مدركة، وقد حكى لي رجل جليل القدر أنه أخذ غذاء وكان فيه شطيه زجاج حادة الرأس فوفقت في مريه فورم حلقه وأفصد وابتلع لقمة كبيرة واحتال بأنواع من الحيل في إخراجها فلم يخرج، وكان كلما طال به الزمان تغور في المري ويسهل عليه البلع والوجع يفور فلما كان بعد ثلاثة عشر سنة حصل له حكاك في رقبته في الجانب الأيمن منها PageVW5P347B بقرب قصبة الرئة سواء وكان كل يوم يزداد الحكاك ثم لما كان في بعض الأيام ظهر في الموضع المذكور نفور ورأسه حاد ثم ازداد حكه ثم خرج طرف الشطية وقد صارت مستديرة الشكل. قال: «فمسكتها بيدي وأخرجتها. وكان رجل آخر يشتكي إلى دائما ثقلا في مقدم دماغه وأحميته مرارا وأعطيته مسهلات منقيات لدماغه ثم الاطريفل المقوي بالأيارج وبالغت في تنقية دماغه ثم أعطيته السعوطات والمعطسات ولم يتغير ذلك لكن كان يقول لي: إنني أحس ينزول الثقل إلى أسفل، ثم غاب عنى مدة زمانية ثم حضر إلى عندي وفي يده زج حديد، فسألته عن ذلك وكيف حصل له هذا، فأخبرني أنه حاضرا على حصار عسقلان وأنه وقع في مقدم دماغه نشابه وإن الزج غار وجذب بعض أصحابه السهم على أن الزج يخرج معه فبقي داخل القحف وخرج السهم فقط وتحيل جراحية زمانه في إخراجه فلم يخرج بل غار إلى داخل فبقي محتبسا إلى المدة المذكورة ثم خرج من منخره الأيمن وقد دق جرمه ولبسه وسج كثير فحسبنا كم له من تلك المدة فوجدنا له قريبا PageVW1P178A أربعين سنة فأنظر إلى حيل الطبيعة في تحصيل أغراضها مع دفع الضار وجلب النافع وكيف تدفع المؤذي في منافذ غير محسوسة وغير مدركة تبارك صاحب الخلق والأمر والله أعلم.
Unknown page