468

Sharḥ Kitāb al-Siyāsa al-Sharʿiyya li-Ibn Taymiyya

شرح كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية

Publisher

مدار الوطن للنشر

Edition

الأولى

Publication Year

1427 AH

Publisher Location

الرياض

جعل من الأعْلَيْن وهو لا يريد العلو ولا الفساد، وذلك لأن إرادة العلو على الخلق ظلم؛ لأن الناس من جنس واحد؛ فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته، ظلم، ومع أنه ظلم، فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه؛ لأن العادل منهم لا يحب أن يكون مقهوراً لنظيره، وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر؛ ثم إنه مع هذا لابد له - في العقل والدين - من أن يكون بعضهم فوق بعض كما قدمناه، كما أن الجسد لا يصلح إلا برأس(١).

قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًا﴾ [الزخرف: ٣٢]، فجاءت الشريعة بصرف السلطان والمال في سبيل الله.

فإن كان المقصود بالسلطان والمال هو التقرب إلى الله، وإقامة دينه، وإنفاق ذلك في سبيله؛ كان ذلك صلاح الدين والدنيا؛ وإن


(١) كنا في الصغر، يقولون لنا: إن شخصًا قال لآخر: كيف ترى الناس؟ قال: أراهم ملوكا عظماء فوق منزلتهم، فقالوا: هم يرونك كذلك؛ وقالوا للثاني: كيف تراهم؟ قال: ما أراهم إلا ذرة أو بقّة أو ما أشبه ذلك، قالوا: هم يرونك كذلك. يعني: كما ترى الناس في نفسك، فهم يرونك في أنفسهم؛ وهذا بمعنى كلام الشيخ رحمه الله، أنت ترى الناس في منزلة، فهم يرونك في هذه المنزلة، سواء عليا أو سفلى.

459